ثقافيات

عابر سبيل بهذا العدد هو السيدة الكاتبة والناشطة العربية الكندية هناء الرملي. ص4 – العدد 170.

والعبور بعنوان: حين يصبح الذكاء الاصطناعي محاورا سريا….. ما الذي يجب أن يعرفه كل أب وأم؟

العابر بهذا العدد هو السيدة الكاتبة والناشطة العربية الكندية هناء الرملي والعبور بعنوان :
حين يصبح الذكاء الاصطناعي محاورا سريا….. ما الذي يجب أن يعرفه كل أب وأم؟
كتبت : هناء الرملي- مونتريال *.

***********
في الأيام الأخيرة، رفعت عائلة لبنانية دعوى أمام محكمة في سان فرانسيسكو ضد شركة «أوبن إيه آي»، تتهم فيها برنامج «ChatGPT» بالمساهمة في وفاة ابنها ماتياس حبيب، ذي الخمسة عشر عاما، في نيسان الماضي. تقول العائلة إنه كان متفوقا وسعيدا، وإن حواراته مع البرنامج تغيرت في أشهره الأخيرة. القضية لم تُحسم، وما فيها ادعاءات لم يقررها القضاء بعد، ولا يستطيع أحد أن يحصر وفاة كهذه في سبب واحد. لكن خلف الخبر سؤالا يخص كل بيت فيه مراهق: ماذا يحدث حين يحمل ابننا أسئلته الثقيلة إلى آلة تجيبه بثقة، في أي ساعة، دون أن تعرفه؟ والخبر الجيد أن الجواب ليس الخوف ولا المنع، بل أمور بسيطة نقدر عليها جميعاً.
لماذا تختلف هذه الأدوات عن أي شاشة؟
روبوتات المحادثة تكلم المراهق بأسلوب شخصي، وتجيبه في أي ساعة، ولا تمل ولا تعترض. وكثيرا ما تجامله وتجاريه، وتتحدث بثقة حتى حين تخطئ. فيشعر أنه يفهمه، والحقيقة أنها لا تعرفه ولا تعرف أسرته، ولا تتحمل شيئا مما يجري له بعد انتهاء المحادثة. وهي ليست شرا كلها، فهي تنفع في الدراسة والشرح وتعلم اللغات. وقد أعلنت الشركة، بعد دعاوى مشابهة سابقة، ضوابط للأهل وتحسينات في السلامة، لكن الضوابط لا تغني عن حضوركم. تبدأ المشكلة حين تصير الأداة المرجع الوحيد في الأمور الثقيلة: الحزن والخوف ومعنى الحياة والموت.
الفضول ليس العدو: لا تخف إن قرأ ابنك الفلسفة أو سأل عن الحياة والموت. هذه أسئلة تخطر في ذهن معظم المراهقين، وهي علامة عقل يكبر. الخطر أن يحملها وحده، أو أن يجد جوابها عند من لا يرى وجهه ولا حاله. فكن قريبا منه حين يتسع فضوله. انتبه لحاله، لا لقراءاته الأهم من موضوع ما يقرأ هو كيف يبدو:
نوم أو شهية مضطربان بوضوح.
ابتعاد عن أصدقائه وعن أنشطة كان يحبها.
كلام يأس، أو شعور بأنه عبء على من حوله.
حديث عن الموت أو الاختفاء، حتى وإن كان مزاحا.
التخلي عن أشياء عزيزة عليه أو توزيعها.
علامة واحدة لا تعني الخطر، لكن حين تتراكم أو تستمر أسابيع، فقد حان وقت الحديث.
كيف تفتح الحديث؟
اختر وقتا هادئا، كمشوار بالسيارة، أو أثناء المشي في المنتزه،واسأل بوضوح: “لاحظت أنك متعب هذه الأيام، وأنا أفكر فيك.”.. استمع له جيدا، ولا مانع من سؤاله في حال وجدته محبط وحزين:” هل تراودك أحيانا أفكار عن إيذاء نفسك، أو أنك لا تريد أن تعيش؟» … السؤال المباشر لا يزرع الفكرة، بل يفتح بابا. ثم استمع أكثر مما تتكلم. ولا تقل “هذا عادي” أو “عندك كل شيء” أو “حياتك أفضل من الكثير غيرك”، فهذه العبارات تغلق الحديث بدل أن تفتحه.
اتفاق يحمي الثقة: لا تراقب ابنك في الخفاء، فالمراقبة السرية قد تكسر ما بينكما. اجلسوا معاً واتفقوا بوضوح: أين تُستخدم الأجهزة؟ وما الذي يحق للأسرة أن تعرفه؟ واستفيدوا من ضوابط الأهل المتاحة في التطبيقات. أما المراقبة الأشد فاجعلها آخر الحلول، حين يكون الخطر حقيقيا . علمه أن يسأل قبل أن يصدق: لن تكونوا بجانبه في كل لحظة، فعلموه عادة بسيطة : ألا يصدق كل ما تقوله الأداة قبل أن يفحصه. وهذه أربعة أسئلة يطرحها على نفسه:
من أين جاء هذا الكلام؟ يطلب مصدرا ويتأكد منه.
هل تقول لي ما أحب أن أسمعه؟ إن وافقته دائما فليشك.
ماذا يقول الرأي المخالف؟ يطلب منها أقوى حجة ضد ما يعتقده.
ماذا يقول إنسان أثق به؟ يعرض الجواب على أحد والديه أو معلمه أو صديقه.
وجربوا ذلك معا: اختاروا سؤالا من اهتماماته، واسألوا الأداة، ثم قارنوا جوابها بمصدر موثوق وابحثوا عن الخطأ أو المبالغة. وحين تقولون أمامه: “تبدو مقنعة، لكن لنتحقق”، فأنتم تعلمونه أكثر مما تعلمه النصائح.
لكن التفكير النقدي لا يكفي وحده أمام الألم العميق، فقد يحلل المراهق ويشك ويظل يتألم. لذلك تبقى علاقته بكم خط الدفاع الأول.
إن شعرت أنه في خطر: ابق معه ولا تتركه وحيدا، وأبعد عنه ما قد يؤذي به نفسه من أدوات وأدوية، واطلب المساعدة فورا: الطوارئ، أو مختصاً نفسياً، أو خط المساندة في المقاطعة أو البلد. وإن وجدت محادثات مقلقة مع تطبيق ذكاء اصطناعي، فاحتفظ بها لتعرضها على المختص، ولا تواجه ابنك بها بنبرة اتهام.
كلمة أخيرة: لن يرى أي أب أو أم كل شيء، حتى أشدهم حضورا، ولا يُلام الأهل على ما لم يظهره ابنهم. المطلوب ليس مراقبة كاملة، بل باب مفتوح، وسؤال صادق، وبيت يعرف فيه المراهق أن أحدا سيسمعه دون أن يحكم عليه و يعاقبه.
فإذا عرف ابنك أن في البيت من يصغي، فلن يبحث عن مستمع في مكان آخر. التقنية ستتغير، وسيبقى هذا هو الأهم: أن يكون البيت أول من يسمع، وحضن الأهل الملجأ الآمن.
*هناء الرملي مهندسة وكاتبة استشارية في الأمن والأمان الرقمي للأسرة والأطفال. متخصصة في الأدب العلاجي والتربوي والتوعوي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock