
شباك ابو شلبك :
العنوان : حين تحتاج اللغة العربية إلى مترجم بين أهلها..
المناسبة : فقدان الكثير من القراء نتيجة التوجه للعامية .
الزمان و المكان : بلاد كِنده وكَندا … في الزمن الأغبر !!
عمل ابو شلبك : يحكي عن نفسه بانه حريص وحارس من أتباع سيبو مسكوليه .
كتب: محمد هارون .
****

نكتب لمن يفهمنا أم لمن يشبهنا؟
يبدو أن بعضنا قرر أن يخوض معاركه السياسية والاجتماعية والثقافية بلغة لا يفهمها إلا أبناء حارته، وكأن بقية العرب يحتاجون إلى تصريح إقامة في تلك الحارة حتى يتمكنوا من قراءة المنشور وفهم مضمونه!
تجد أحدهم يناقش قضية مصيرية، أو يكشف فساداً، أو يحلل حرباً، أو يدافع عن حق شعب في الحياة، لكنه يكتب بلهجة محلية محمّلة بتعابير ومفردات قد تحتاج إلى مترجم من اللهجة نفسها إلى العربية المفهومة. وهكذا، بدلاً من أن ينشغل القارئ بأهمية الفكرة، يجد نفسه منشغلاً بفك شيفرة الكلمات!
خذوا مثلاً بعض التعبيرات التي نتداولها بيننا. فالمصري يقول: «إيه الحكاية يا جدعان؟»، والشامي يقول: «شو القصة يا جماعة؟»، والخليجي قد يقول: «وش السالفة؟»، والمغربي يسأل: «آش واقع؟». كلهم يسألون عن شيء واحد، لكن العربي الذي لا يعرف هذه اللهجات قد يظن، للحظة، أنه انتقل بين أربع دول وأربع نشرات أخبار، وكل نشرة تحتاج إلى ترجمة مستقلة!
وإذا قرر أحدهم أن يكتب: «يا عم، إحنا اتبهدلنا آخر بهدلة، والموضوع قلب على دماغنا»، فقد يفهم القارئ المصري المعنى فوراً، بينما قد يتوقف قارئ آخر عند «قلب على دماغنا»، ويتساءل إن كانت هناك عملية جراحية جماعية لم يسمع بها من قبل!
أما إذا كتب أحدهم باللهجة الشامية: «يا زلمة، القصة صارت بدها حل، والموضوع مو معقول»، فالمعنى واضح لأبناء الشام، لكن قارئاً من منطقة أخرى قد يتساءل: من هو الزلمة؟ وما الذي يريده تحديداً؟ وهل «مو معقول» تعني أن الأمر غير منطقي أم أن صاحبه لم يعد قادراً على تحمّله؟
وبالطبع، لا نريد أن نصل إلى مرحلة يحتاج فيها القارئ إلى شهادة في اللهجات العربية قبل أن يقرأ منشوراً على فيسبوك!
ولا أقول ذلك من برج عاجي لغوي، ولا أرتدي عباءة سيبويه، رحمه الله، ولا أزعم أنني عضو في لجنة امتحان اللغة العربية. أنا مثلكم، أخطئ وأصيب، وقد أكتب بالعامية أحياناً، حين يخدم ذلك المعنى أو تفرضه طبيعة الموقف. لكنني أتساءل، بحكم عملي في الصحافة والمسرح: لماذا نضيّق دائرة قرائنا بأيدينا، ثم نشكو من قلة المتابعين؟
خذوا اللهجة المصرية مثلاً. أستطيع أن أفهم كثيراً منها حين أستمع إلى أصحابها، وقد أضحك من تعبيراتها الجميلة وخفة ظلها، لكنني أتعثر أحياناً حين أجدها مكتوبة بكل تفاصيلها المحلية. وقد يحدث العكس مع قارئ مصري يقرأ تعبيراً شامياً أو مغربياً أو خليجياً لا يعرفه. فإذا كتب مغربي: «هاد الشي ماشي معقول، آش هاد التخربيق؟»، فقد يفهم المغربي المعنى من النظرة الأولى، بينما يحتاج قارئ من المشرق إلى بعض الوقت ليدرك أن صاحبه يقول ببساطة: «هذا الأمر غير معقول، ما هذا الكلام الفارغ؟». وإذا قال خليجي: «السالفة ما هيب بسيطة، والموضوع يبيله وقفة»، فقد يتساءل قارئ آخر عن هذه السالفة، ومن أين جاءت، ولماذا تحتاج إلى وقفة، وهل المطلوب الوقوف احتراماً لها أم اتخاذ موقف جاد منها!
طبعاً، هذه أمثلة طريفة على اختلاف التعبير، وليست عيوباً في اللهجات. فلكل لهجة موسيقاها وروحها وجمالها، والمشكلة ليست في أن نقول «إيه» أو «شو» أو «وش» أو «آش»، بل في أن تتحول الكتابة المحلية إلى حاجز يمنع الفكرة من الوصول إلى الآخرين. يا سادة، نحن لا نتحدث عن وصفة للكشري أو طريقة إعداد المقلوبة، حيث يمكن للتفاصيل المحلية أن تضيف نكهة محببة إلى الموضوع، بل نتحدث أحياناً عن قضايا مصيرية تستحق أن تصل إلى أبعد من حدود الحي والمدينة والبلد. لماذا لا نكتب هذه الموضوعات بلغة عربية بسيطة، واضحة وقريبة من الناس؟ لغة الجريدة التي يفهمها القارئ من المحيط إلى الخليج، من دون أن يحتاج إلى قاموس للهجات أو إلى صديق يشرح له ماذا يقصد الكاتب بكلمة لا يعرفها سواه؟
ولكي لا يتهمنا أحد بإعلان الحرب على العامية، نسارع إلى القول إن اللهجات ليست عيباً ولا خطيئة لغوية. إنها جزء من هويتنا وذاكرتنا وثقافتنا، وفيها من الجمال والعفوية والمرح ما يجعلها ثروة تستحق الاحترام. وقد تكون العامية أفضل وسيلة للتعبير في مسرحية كوميدية، أو حوار روائي، أو قصيدة شعبية، أو حكاية تستمد جمالها من بيئتها وشخصياتها.
فالمسرح الذي أعمل فيه يعرف جيداً أن كلمة واحدة بلهجة محلية قد تفجّر ضحكة لا تستطيع عشر جمل فصيحة أن تنتزعها. والرواية قد تفقد بعض روحها إذا أجبر الكاتب شخصياتها على التحدث بلغة لا تشبه حياتها. أما الشعر، فله قوانينه وموسيقاه وأسراره التي لا يجوز اختزالها في قاعدة واحدة. لكن ثمة فرقاً بين أن نستخدم العامية لأنها تخدم العمل الفني، وبين أن نجعلها شرطاً إلزامياً في كل ما نكتب، حتى عندما يكون هدفنا إيصال فكرة إلى جمهور عربي واسع. فلكل مقام مقال، ولكل وسيلة تعبير لغتها المناسبة. وهنا أصل إلى ما يشغلني شخصياً. بصفتي أعمل في الصحافة من خلال ساخر سبيل، وفي المسرح من خلال فرقة تياترو العرب الكندية، فإنني لا أبحث عن إعجاب مجموعة تعرف لهجتي وتفهم إشاراتي المحلية فحسب، بل أريد أن تصل الفكرة إلى أكبر عدد ممكن من القراء والمشاهدين. أريد أن يقرأني العربي في تورونتو كما يقرأني العربي في القاهرة أو عمّان أو بيروت أو الدار البيضاء. فما الفائدة من مقال مهم لا يتجاوز تأثيره دائرة ضيقة، لأن لغته لم تساعد على انتشاره؟ وما قيمة فكرة تستحق النقاش إذا اضطر القارئ إلى تجاوز نصف كلماتها قبل أن يصل إلى مضمونها؟
قد يقول قائل إن وسائل التواصل الاجتماعي فضاء عفوي، وإن الناس يكتبون كما يتحدثون. وهذا صحيح إلى حد كبير، لكن العفوية لا تعني أن نتخلى عن التفكير في القارئ، كما أن البساطة لا تعني الركاكة، والكتابة بلغة عربية سليمة لا تعني أن نتحول جميعاً إلى خطباء في حفل توزيع جوائز النحو!. لسنا مطالبين بكتابة قصائد معلقة، ولا بإعادة سيبويه ( سبيو مسكوليه!! ) إلى مقاعد الدراسة ليمتحننا في المبتدأ والخبر. كل ما نحتاج إليه هو أن نكتب بلغة عربية سهلة، نتجنب فيها التعقيد والتعابير شديدة المحلية عندما لا تكون ضرورية، ونمنح القارئ فرصة لفهم الفكرة من دون عوائق إضافية.
ولست أدعي الكمال في هذا المجال. فأنا أرتكب الأخطاء، وأحتاج أحياناً إلى مراجعة ما أكتب، وقد أختار العامية في موضع أرى أنها الأنسب له. لكن الاعتراف بأننا نخطئ لا يمنعنا من محاولة التحسين، تماماً كما أن حبنا للهجاتنا لا يمنعنا من البحث عن لغة مشتركة توسع دائرة التواصل بيننا. في زمن تتسابق فيه المنشورات على جذب الانتباه، لا يكفي أن نكتب عن قضية مهمة، بل علينا أن نكتب عنها بطريقة تساعد الناس على فهمها ومناقشتها ومشاركتها. فالقارئ ليس ملزماً بأن يتعلم لهجتنا كي يفهم موقفنا، وليس من واجبه أن يفك طلاسم كلماتنا قبل أن يكتشف أهمية أفكارنا. وأخشى أن نصل يوماً إلى مرحلة نحتاج فيها إلى ترجمة عربية بين العرب، فنؤسس مكتباً لترجمة المنشورات من المصرية إلى الشامية، وآخر من الخليجية إلى المغاربية، وثالثاً متخصصاً في تحويل التعليقات الفيسبوكية إلى لغة يفهمها الجميع. وربما نحتاج إلى إنشاء جامعة عربية للترجمة بين اللهجات، على أن يبدأ العمل فيها بعد انتهاء الخلاف على اسم الجامعة ومكان مقرها، وتحديد اللهجة التي سيُلقي بها رئيسها كلمة الافتتاح! . ولعلنا نكتشف حينها أن أول قرار تتخذه الجامعة هو ترجمة قرار تأسيسها، لأن نصف الحضور لم يفهموا اللهجة التي كُتب بها!
وخلاصة القول: لسنا في معركة بين الفصحى والعامية، ولا نريد مصادرة لهجة أحد أو فرض وصاية على طريقة حديثه. نحن ندعو فقط إلى أن نختار اللغة التي تخدم فكرتنا وتوصلها إلى أكبر عدد من الناس. فلنكتب ببساطة، ولنحترم تنوعنا، ولنمنح أفكارنا فرصة أكبر للانتشار. فهدف الكاتب ليس أن يثبت أنه يتحدث بلهجة أصيلة، بل أن يجعل فكرته مفهومة ومؤثرة. أما نحن في ساخر سبيل، فسنواصل السخرية من كل ما يستحق السخرية، باللغة التي تصل إلى القارئ، لا باللغة التي تجعله يبحث عن مترجم! فاللغة جسر بين العقول، وليست سوراً حول الكلمات. وإذا كان هدفنا أن يسمعنا الناس، فلنبدأ أولاً بأن نكتب ما يستطيعون فهمه.
وختاماً: هذه الكلمات من لهجات عربية مختلفة أنا أعرفها بحكم عملي وعلاقاتي، وهي مكتوبة كما تلفظ ..هل تعرف معناها أنت ؟
( مئموص. بتشئط . متافوريش اوي . مزئطط . ما تئرفوش ميتين أهلي . ألتلن فلو من هون . ما تكلكش. وش بلاك. تقبش عظامي . تشكل آسي. شكو ماكو . طركاعة . كرد يظربك . بند الدريشه . شيشمه . إيش من كلام ذا يا رجال؟ قدّي ضعت ) .



