عايش سبيل: الاقتصاد الكندي يتوقف مؤقتاً في تموز/ يوليو.. تباطؤ عابر أم بداية مرحلة أكثر صعوبة؟
عايش سبيل العدد 169-ص10

الاقتصاد الكندي يتوقف مؤقتاً في تموز/ يوليو.. تباطؤ عابر أم بداية مرحلة أكثر صعوبة؟
بقلم : علي بدري – خبير عقاري.
بعد ثلاثة أشهر متتالية من التحسن، تشير المؤشرات الاقتصادية الأولية إلى أن الاقتصاد الكندي فقد جزءاً من زخمه خلال شهر يوليو/تموز 2026، مع تسجيل نمو شبه معدوم في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي. ورغم أن قراءة شهر واحد لا تكفي للحكم على الاتجاه العام للاقتصاد، فإن التوقف جاء في وقت حساس، وسط استمرار حالة عدم اليقين التجاري، وتباطؤ بعض القطاعات الرئيسية، وترقب الأسواق لمسار أسعار الفائدة خلال الأشهر المقبلة. وبحسب تحليل نشرته RBC Economics في 25 سبتمبر/أيلول، فإن البيانات الأولية تشير إلى استقرار الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في يوليو، بعد فترة أقوى بكثير امتدت من أبريل إلى يونيو، بلغ خلالها متوسط النمو الشهري نحو 0.4%. ويعني ذلك أن الاقتصاد انتقل سريعاً من مرحلة انتعاش ملحوظ خلال الربع الثاني إلى حالة أقرب إلى الثبات مع بداية الربع الثالث.
الربع الثاني كان أقوى مما توحي به قراءة يوليو..لفهم الصورة بصورة أدق، لا بد من النظر إلى أداء الاقتصاد خلال الأشهر السابقة. فقد أظهرت بيانات هيئة الإحصاء الكندية (Statistics Canada) ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 0.3% في يونيو، في ثالث زيادة شهرية متتالية، مع توسع النشاط في 13 قطاعاً من أصل 20 قطاعاً رئيسياً.
وعلى مستوى الربع الثاني بأكمله، نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 0.8% مقارنة بالربع السابق، مدعوماً بارتفاع الصادرات، والإنفاق الاستهلاكي للأسر، والاستثمارات الرأسمالية للشركات.
والأكثر أهمية أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للفرد ارتفع بنسبة تقارب 1% خلال الربع الثاني. وهذا المؤشر يستحق المتابعة بشكل خاص في كندا، لأن النمو السكاني السريع خلال السنوات الماضية جعل نمو الناتج الإجمالي وحده غير كافٍ لقياس التحسن الفعلي في مستوى النشاط الاقتصادي للفرد. من هنا، فإن قراءة يوليو الضعيفة لا تعني بالضرورة دخول الاقتصاد في مسار انكماشي جديد، لكنها تطرح تساؤلاً أساسياً: هل كان النمو القوي في الربع الثاني بداية تعافٍ مستدام، أم مجرد موجة قصيرة أعقبها تباطؤ جديد؟
أين ظهر الضعف؟
بحسب RBC، جاءت أبرز إشارات الضعف من قطاعات التصنيع وتجارة الجملة والتجزئة. وأظهرت بيانات المبيعات تراجعاً في بعض هذه القطاعات خلال يوليو، إلا أن البنك يشير إلى ضرورة التعامل بحذر مع أرقام المبيعات الاسمية، لأنها لا تعكس دائماً حجم الإنتاج الحقيقي، خصوصاً عندما تكون التغيرات مرتبطة بأسعار النفط أو مبيعات السيارات. في المقابل، أظهر قطاع النفط والغاز قدراً أكبر من الاستقرار، إذ ساعد ارتفاع إنتاج النفط غير التقليدي في ألبرتا على تعويض جزء من الضعف في أنشطة الحفر. كما قدم قطاع العقارات والتأجير بعض الدعم للنشاط الاقتصادي في يوليو، مستفيداً من تحسن نسبي في سوق الإسكان. إلا أن RBC يرى أن هذا الزخم ربما بدأ يتراجع في أغسطس مع عودة المخاوف المتعلقة بالتجارة والاقتصاد إلى التأثير في ثقة المشترين. وهنا تبرز حساسية سوق العقارات الكندية لأي تغير في الظروف الاقتصادية. فقرار شراء منزل لا يرتبط بسعر الفائدة وحده، بل أيضاً بثقة الأسر في استقرار وظائفها ودخولها وقدرتها على تحمل الالتزامات المالية طويلة الأجل.
المستهلك الكندي ما زال يدعم الاقتصاد: على الرغم من التباطؤ، لا تزال هناك إشارات إيجابية، وخصوصاً في جانب الاستهلاك.
يشير RBC إلى ارتفاع إجمالي ساعات العمل بنسبة 0.6% في أغسطس، فيما ظلت الوظائف الشاغرة مستقرة نسبياً حتى منتصف سبتمبر. كما أظهرت بيانات معاملات بطاقات RBC والمؤشرات الأولية لمبيعات التجزئة استمرار قدر من النشاط الاستهلاكي خلال الجزء الأخير من الربع الثالث. وهذه نقطة مهمة لأن إنفاق الأسر يمثل أحد المحركات الأساسية للاقتصاد الكندي. فخلال الربع الثاني، ارتفع الإنفاق الاستهلاكي النهائي للأسر بنسبة 0.8%، مع زيادة الإنفاق على الخدمات والسيارات والإيجارات، رغم تراجع الإنفاق في بعض فئات السلع الأخرى.
استمرار هذا الإنفاق يمكن أن يساعد الاقتصاد على تجنب تباطؤ أكثر حدة، لكن قدرة المستهلك على مواصلة الإنفاق ستعتمد على عدة عوامل، من بينها سوق العمل، ومستويات الديون، وتكاليف السكن، وأسعار الفائدة، واتجاه التضخم.
التجارة مع الولايات المتحدة تبقى أحد أكبر مصادر عدم اليقين
لا يمكن تحليل الاقتصاد الكندي بمعزل عن الولايات المتحدة، الشريك التجاري الأكبر لكندا.
ويشير RBC إلى أن تصاعد التوترات التجارية وفرض رسوم جمركية أمريكية جديدة قد يزيدان من التقلب الاقتصادي خلال النصف الثاني من العام.
وقد يكون التأثير المباشر للرسوم محصوراً في بعض القطاعات، لكن التأثير غير المباشر قد يكون أوسع، إذ يمكن أن تدفع حالة عدم اليقين الشركات إلى تأجيل التوسع أو الاستثمار، كما يمكن أن تؤثر في ثقة المستهلكين.
وتتضح أهمية التجارة عند النظر إلى أداء الربع الثاني، حيث ارتفعت الصادرات الكندية بنسبة 3.6%، وهي أسرع وتيرة نمو منذ أكثر من ثلاث سنوات، بدعم من صادرات السيارات والطاقة والمنتجات المعدنية والآلات والمعدات الصناعية.
لذلك، فإن أي تراجع كبير في الطلب الأمريكي أو اضطراب في العلاقات التجارية يمكن أن ينتقل سريعاً إلى قطاعات الإنتاج والتوظيف والاستثمار داخل كندا.
ماذا يعني ذلك لأسعار الفائدة والعقارات؟ السؤال الذي يهم الأسر والمستثمرين وسوق العقارات بصورة خاصة هو: ماذا تعني هذه الأرقام بالنسبة إلى بنك كندا وأسعار الفائدة؟
كان البنك المركزي قد أبقى سعر الفائدة لليلة واحدة عند 2.25% في يوليو، بينما توقع نمواً اقتصادياً سنوياً بنحو 0.7% خلال 2026، يرتفع إلى 1.8% في كل من 2027 و2028. ضعف النمو، إذا استمر، يقلل عادة الحاجة إلى سياسة نقدية أكثر تشدداً. لكن بنك كندا لا ينظر إلى النمو وحده؛ فالتضخم، والأجور، وأسعار الطاقة، وسوق العمل، والتطورات التجارية كلها عوامل تدخل في قراراته.
أما RBC، فيتوقع في الوقت الحالي بقاء أسعار الفائدة دون تغيير على المدى القريب، قبل احتمال بدء ارتفاع تدريجي في أسعار الفائدة خلال عام 2027. وهذه تبقى توقعات اقتصادية وليست مساراً مضموناً، وقد تتغير مع صدور بيانات جديدة.
وبالنسبة إلى سوق العقارات، فإن استقرار الفائدة قد يمنح المشترين قدراً أكبر من الوضوح، لكنه لا يعني بالضرورة عودة قوية وسريعة للأسعار أو المبيعات. فالسوق يحتاج أيضاً إلى تحسن الثقة الاقتصادية واستقرار سوق العمل وقدرة الأسر على تحمل تكاليف الاقتراض.
هل كندا تتجه نحو الركود؟
حتى الآن، لا تكفي بيانات يوليو للقول إن الاقتصاد الكندي دخل في حالة ركود. الوصف الأكثر دقة هو أن الاقتصاد يعيش مرحلة نمو ضعيف ومتقلب، تتخللها فترات انتعاش وتباطؤ. فالاقتصاد بدأ عام 2026 بصورة ضعيفة، ثم سجل تحسناً واضحاً في الربع الثاني، قبل أن يفقد زخمه مجدداً مع بداية الربع الثالث. لذلك، فإن الرقم الأهم ليس «صفر نمو» في شهر واحد بحد ذاته، بل ما سيحدث بعده. إذا عادت معدلات النمو خلال أغسطس وسبتمبر، فقد يُنظر إلى يوليو باعتباره توقفاً مؤقتاً بعد ربع قوي. أما إذا استمر الضعف بالتزامن مع تراجع سوق العمل والاستهلاك والاستثمار، فقد يصبح الحديث عن تباطؤ اقتصادي أوسع أكثر جدية. ولهذا ستكون البيانات المقبلة للناتج المحلي الإجمالي، إلى جانب أرقام التوظيف والتضخم والإنفاق الاستهلاكي وسوق الإسكان والتجارة الخارجية، حاسمة في تحديد اتجاه الاقتصاد الكندي مع اقتراب نهاية عام 2026.
المصادر:
RBC Economics، Canada’s economic growth stalled in July، 25 سبتمبر/أيلول 2026.
Statistics Canada، بيانات الناتج المحلي الإجمالي لشهر يونيو والربع الثاني من عام 2026.
Bank of Canada، تقرير السياسة النقدية والتوقعات الاقتصادية، يوليو/تموز 2026.
***


