
المقدمة : نلتقي اليوم في العدد الشهري رقم 167 من ساخر سبيل مع الأديب المبدع عبد الرحمن مطر، صاحب العديد من الانجازات الأدبية في كندا وفي البلاد العربية . في هذا اللقاء، تفتح “ساخر سبيل” صفحاتها لحوار صريح مع الأديب والصديق عبد الرحمن مطر، نتوقف فيه عند محطات حياته، وتجربته الإبداعية، ورؤيته للأدب والهجرة لكندا، ودور المثقف العربي في زمن التحولات، إضافة إلى رؤيته لمستقبل الثقافة العربية في المهجر، وما يحمله من مشاريع وأحلام للكلمة الحرة. يطيب لنا من أن نرحب بالأديب السوري الكندي عبد الرحمن مطر، ونترك للقارئ الكريم متعة هذا الحوار.
أجرى اللقاء : محمد هارون .
*****
س1 : من هو عبد الرحمن مطر قبل الهجرة لكندا ولماذا أخترت بلاد القيبقب لتقيم فيها ؟
ج1: تبدو لي الإجابة على الجزء الأول من هذا السؤال محرجة، بالنسبة لي، كيف اقدم نفسي، وكيف اراني. غالباً لن أقارب الصواب والحقيقة في ذلك.
على اي حال، كنتُ غير ذي مستقر طوال عمري، متنقلاً بين البلدان، أعيش في المنافي الاختيارية، واعمل في مجال الكتابة والبحث، والصحافة. ونتيجة لذلك، وجدتني شخصا غير مرغوب به من السلطات، وقادتني حرية التعبير، والاستقلالية، الى المعتقلات والسجون، التي عرفتها وخبرتها جيداً، أي بما يكفي! انا شخص ممتن للربيع العربي، ومدين له بالحرية. وعلى الرغم من ذلك، لم اتأخر في دعم الثورات، ولي الشرف بأنني كنتُ جزءا منها في سوريا، ومناصرا لها في كل مكان، ومؤمناً بها، مثل إيماني بالقضية العادلة للشعب الفلسطيني. لستُ مهاجراً. أنا لاجئ، هكذا وصلتُ كندا في يناير 2015، طالباً للجوء عبر منفذ جسر السلام، مع بوفالو الأمريكية. ولم تكن لي رفاهية الاختيار في بلد اللجوء. ولكن الجزء المهم هنا، أنني كنتُ أتبع قلبي في ذلك، وحبي: زوجتي هي السبب في اختيار كندا، ولولاها لكنتُ في منفى آخر!
أتذكر في عام 1991، دعاني صديقي الكاتب السوري ميخائيل سعد، الذي يقيم في مونتريال، لقضاء عطلة عيد الميلاد في كندا، وكنتُ حينها مقيا في ليبيا. وكان ذلك ممكناً جدا بالنسبة لي. لكنني قلت: أوه.. كندا، إنها بعيدة جدا، وباردة جداً. بعد ربع قرن، وجدتني ادّق أبواب كندا، في يوم تهبّ فيه عاصفة ثلجية!!
س2 : تركت وطنك الأم سوريا متجهاَ لكندا .. كيف أثرت سوريا في أدبك، وكيف أثرت كندا في أسلوبك؟
ج2: بيئة الكاتب، منبته الأول وملاعب الطفولة والشباب، هي خزائن الكاتب التي ينهل من معينها، ويسترجع صورها عبر الكتابة، في وعيه، او عبر اللاوعي. وهو يربط رؤاه المعاصرة، او المتقدمة، بما عاشه، او ألفه في وطنه الأم. بالنسبة لي سوريا، وطني الذي لم اغادره، ولم يغادرني، هذه حقيقة تتبدى في كل ما نعيشه. غادرت بلدي في الـ 27 من عمري، أي في ظل الكتمال النمو، وتشكل الهوية الثقافية، والوعي السياسي والاجتماعي، وتكون أسس تجربتي الابداعية والعمل الثقافي. في كل ما كتبت، بصورة او باخرى سوريا موجودة، ومدينتي الرقة حاضرة، كما كل المدن والبلدان الأخرى تأخذ نصيبها في حيز الكتابة والتفكير. كندا، دون شك أثّرت في تجربة الكتابة واغنتها. الانفتاح على الثقافات المختلفة، يعمّق رؤى الكاتب، ويفتح آفاق التفكير لديه بصورة واسعة، ويمكن تلمس ذلك في معالجته للافكار، وفي الاهتمام بقضايا جديدة، وفي التعرف الى فهم مختلف للكتابة : وظيفتها ودورها، وفي اسلوب الكتابة ايضا. أضيف إلى ذلك، ان آفاق حرية التعبير، لا تخضع للرقابة المباشرة، او الملاحقة الأمنية، وهو ما يمنح الكاتب قدرة إضافية في التعبير والكتابة. هذا ما يميز أثر كندا في الكتابة.
س3. أي أعمالك الأدبية تعتبرها الأقرب إلى قلبك؟ ولماذا؟
ج3: اعمالي الأدبية، كتبي، لا أستطيع أن أقول أن أحداها هو الأقرب اليّ. لكل قيمته، ومكانته، وظروف كتابته ونشره. لا أستطيع ان أفرّق بين أحد منهم. إنهم أبنائي، وعصارة الروح.. وكنت على الدوام اردد جواباً على أسئلة مماثلة: لدي طفلان .. وثلاثة كتب على سبيل المثال. غير ان الأحب، هو من سيأتي لاحقاً، دائماً!
س4 . ماذا بقي من سوريا في روحك بعد سنوات الإقامة في كندا.. وهل يشعر الكاتب العربي في المهجر بأنه يكتب لجمهورين مختلفين؟.
ج4: روحي مترعة بحب تلك البلاد، بكل ذلك الشرق العربي العظيم، أبقى مشدوداً إليها ما حييت، تنقلّت في بلدان عديدة، لكن ذلك لم يجفف شيئا في روحي. على العكس من ذلك، جلّ كتاباتي اليوم، معنية بما يحدث في بلادي، خاصة، والمنطقة العربية بصورة عامة. وسنوات الإقامة هنا، إضافت لي وطناً جديداً، وطناً ثانياً اعتز به، بما قدمه لي من مواطنة، تعزز قيمتي وحضوري الإنساني، أولا وقبل كل شئ. فيما يتصل بالكتابة، نعم، عندما تكتب لغير القراء العرب، فإنك تستخدم أساليب مختلفة في الكتابة، اللغة، والتفكير مختلفان تماماً هنا، ووجهات النظر والآراء مختلفة، ليس فقط في المسائل السياسية، والثقافية والاجتماعية، وإنما أيضا في الأدب. فهم ذلك، يمكن الكاتب من ادوات الكتابة المختلفة لجمهور مختلف. أقول احياناً، تواجهني ضرورة ” أن تكتب بروح، ومشاعر باردة، عن قضايا ملتهبة ” كي تصل فكرتك بوضوح ومباشرة الى الجمهور.
س5. كيف تقيّم الواقع الثقافي العربي في كندا؟ وهل يجد الأديب والفنان العربي الدعم الذي يستحقه في المهجر؟

ج5: هذا سؤال المصيدة، وليس عابر سبيل، وعليّ الفرار بجلدي. لكن قبل الوصول الى درب السلامة، دعني اقول ان الواقع الثقافي بخير على الرغم من العثرات والمشكلات القائمة. لدينا حركة ثقافية جيدة، ونشيطة، ومهمة أيضاً. اتحدث بشكل خاص عن مقاطعة اونتاريو، بحكم المعرفة، والمتابعة المباشرة للحياة الثقافية العربية في كندا. وأيضا في مونتريال.
الحقيقة لدينا كتاّاب مميزون، محترفون بكل ما تعنيه الكلمة من معان، في الشعر، وفي الرواية، والدراسات والبحوث. لدينا ايضاً اكاديميين مهمين، في الجامعات الكندية، ويلعبون دورا مهماً في الحياة الثقافية في كندا بصورة عامة، والثقافة العربية على نحو خاص. لدينا جمعيات، ومؤسسات، ومنظمات ثقافية عربية، جيدة، بل إنها على درجة عالية من المهنية، ومن الالتزام بمعايير العمل الثقافي، من حيث تنظيم الفعاليات، والدورات التدريبية، وغير ذلك. في الفنون: الموسيقى والمسرح والتشكيل، لدينا فنانون مهمون، ذوي تجارب مشهود لها عربيا وعالميا. في هذا السياق أشير الى ثلاثة نقاط:
1- ان الدعم محدود، بل يكاد أن يكون معدوماً. وكثير من المنظمات تنظم أنشطة ذات طابع تطوعي ومجاني، وتكاليفها تقع على عاتق المنظمين.
2- أن الفضاء الثقافي مفتوح للجميع، وليس حكراً على مؤسسة معينة، او مجموعة محددة، او تيار ما، ويمكن للجميع العمل بمودة ومحبة حتى وان تقاطعت الأفكار والمصالح.
3- ان المؤسسات العربية، التي ترتبط بالحكومة الكندية، وتتلقى دعما مباشرا وسخيا منها، ليست لها أي حضور ثقافي من حيث المشاركة والتعاون في تنظيم الانشطة ودعم المبدعين العرب. بل إنها تكاد تكون منغلقة على نفسها، فيما يتعارض مع رسالة التأسيس والمبادئ التي قامت عليها، وتتلقى دعما حكوميا في سياق ذلك.
أريد أن أشيد بالبيت الفلسطيني – ميسيساغا كمثال، من حيث ترحيبه واستضافته لكثير من الأنشطة الثقافية العربية. وبكل من يواجه رياح التعب والخيبة، بإصراره على العمل الثقافي بما يكلفه من جهد ووقت، في ظروف الحياة الصعبة والالتزامات القاهرة، في هذا البلد. كما اود ان أشير الى النشاط المهم الذي يقوم به المركز الثقافي بيت الخيال، ومعرض ميسساغا للكتاب، ومؤسسة معرض الكتاب العربي الكندي، وفي المسرح نجد فرقة تياترو العرب الكندية وفي الموسيقى، الاوركسترا العربية، وأصوات من دمشق، استراحة معرفة، ودور النشر في اونتاريو، وفي كيبك، وبالطبع اوتاوا، والتي تنظم انشطة ثقافية دورية. لا يمكنني في هذه العجالة أن أذكر جميع المنظمات، والمنتديات، ودور النشر، فلكل منها مكانته ودوره المهم، واضمّ إليها منتدى النورس الثقافي الذي اديره هنا. لدي الكثير من الشجون في هذا الصدد، لكنني أشعر بالارتياح النسبي عن هذا الواقع.
س6. ما الدور الذي يجب أن تقوم به الصحافة العربية الكندية في دعم الفنانين والأدباء؟
ج6:الصحافة العربية الكندية، هي جزء هام وفاعل من الحركة الثقافية العربية في كندا، ولديها متاعب كثيرة ومعروفة، لكنها تبذل ما في وسعها، حسبها انها تنهض من لاشئ، من الصفر، وتعاند الظروف الصعبة كي تستمر.
ان تكون شريكاً مؤثرا وفعالاً للمؤسسات الثقافية، هو اهم ما يمكن ان تقدمه من دعم للكتاب والأدباء والفنانين العرب، إضافة الى تغطياتها ومتابعاتها المستمرة للنشاط الثقافي العربي. ومع ذلك، هناك مؤسسات إعلامية، هي في واد، والحركة الثقافية العربية في واد آخر. وذلك هو خيارها بالطبع.
س7: متى وكيف نوجه أصابع الاتهام بالتطبيع مع عدو أمتنا لأي أديب أو فنان عربي بكندا وخارجها؟
ج7: التطبيع مرفوض جملة وتفصيلا مع كيان الاحتلال الصهيوني، وفي مقدمة ذلك ثقافيا. المقاطعة والعزل والكشف، بناء على حقائق وليس اتهامات مغرضة. هذا اقل الواجب بالنسبة للمثقفين العرب، في مواجهة التطبيع المخزي، مع عدو احتلالي مجرم لم يتوقف يوميا عن إبادة أهلنا في فلسطين والأراضي العربية المحتلة في لبنان والجولان.
قد لا تتمكن من مقاطعة الشركات التجارية التي تدعم الكيان الاسرائيلي، كما يتوجب. لكنك ثقافيا تستطيع ذلك، بالتاكيد.

س8: أسئلة خفيفة تبدأ ب لو :
ج 8- لو طلبنا منك أن تمنح الغربة لقبًا أدبيًا، ماذا ستسميها؟
– المنفى الذي يفتح أبواب الحرية امام المبدع، على مصراعيها
– لو أصبحت وزيرًا للثقافة في سورية الجديدة ، ما هو أول قرار ستتخذه؟
– دعم المكتبات العامة في كل مدينة ، وقرية ومدرسة.
– لو كان بإمكانك دعوة ثلاثة أدباء أو فنانين عرب إلى فنجان قهوة، فمن تختار؟
-احمد الطيار من فانكوفر، وأحمد اليوسف وميخائيل سعد ( مؤلفان لكتاب واحد) من مونتريال، وباسيليوس زينو من تورنتو. الكتاب والأدباء والفنانين الذين لم يرد ذكرهم/ هن، سادعوهم/هن (او يدعونني ) لتناول المرطبات!
– لو تحولت إحدى رواياتك إلى مسرحية أو فيلم سينمائي، فما هي الرواية ومن تتمنى أن يجسد شخصياتها؟
– لدي رواية واحد يتيمة ، وأخواتها مازلن خُدّج: سراب بري، وعلى الرغم انه لاعلاقة لي بالتمثيل، فإني شخصيتي هي محور العمل.
س9: ما هي رسالتك للجيل الجديد من الكتّاب العرب في كندا و كيف ترى مستقبل اللغة العربية بين أبناء الجاليات العربية في المهجر؟
ج9: الاهتمام بالثقافة العربية، واللغة العربية، هو جزء من الهوية الثقافية لكل إنسان، ومن يهمل ذلك، لن يجد له هوية ثقافية بديلة، مهما كانت درجة اندماجه في الحياة العامة في هذا البلد، الذي يقوم على التعدد والتنوع الثقافي.
س10 – آخر سؤال في ختام الحوار: لو خُيّرت بين جائزة أدبية كبيرة، وبين قارئ واحد يقرأ جميع كتبك بشغف ويخرج منها إنسانًا أفضل… أيهما تختار؟
ج10: بدون مواربة، أو جدال، أختار القارئ. ليس من احد لا يحب ان يلقى عمله الإبداعي يحظى بالإهتمام والتقدير، وليس مثلبة ان يسعى إلى ذلك، وتعزيز حضوره ومكانته، وعلى الرغم من بريق الجوائز المبهر، فلست مغرما بذلك!
***
الخاتمة : يطيب لنا في نهاية هذا اللقاء أن نتقدم بالشكر والتقدير لأديبنا وكاتبنا الأستاذ عبد الرحمن مطر لقبوله الدعوة لمشاركتنا في هذا العدد . أمنياتنا له ولأسرته وبلده سوريا الأصل والمنبع والعروبة كل التقدم والإزدهار
.



