اقتصاديات

عايش سبيل : الاقتصاد الكندي أمام أسبوع حاسم: التجارة والوظائف وقرار الفائدة ترسم ملامح المرحلة المقبلة.

كتب : علي بدري .

عايش سبيل :
الاقتصاد الكندي أمام أسبوع حاسم: التجارة والوظائف وقرار الفائدة ترسم ملامح المرحلة المقبلة.
بقلم : علي بدري – ميسيساغا ، اونتاريو .

يدخل الاقتصاد الكندي الأسبوع الأول من سبتمبر وسط مجموعة متشابكة من المؤشرات الاقتصادية والتجارية التي قد تحدد اتجاهه خلال الأشهر المقبلة. فبين تصاعد التوتر التجاري مع الولايات المتحدة، وتحسن بعض مؤشرات النمو، وتراجع معدل البطالة، واستمرار الضغوط المرتبطة بأسعار الطاقة، تتجه الأنظار إلى ثلاثة ملفات رئيسية: بيانات التجارة الخارجية لشهر يوليو، وتقرير سوق العمل لشهر أغسطس، وقرار بنك كندا بشأن سعر الفائدة في 2 أيلول – سبتمبر.
وتشير قراءة حديثة صادرة عن RBC Economics إلى أن التصعيد الجديد في النزاع التجاري بين كندا والولايات المتحدة لم يؤدِ، حتى الآن، إلى تغيير جوهري في توقعات البنك لمسار الاقتصاد الكندي. إلا أن المرحلة المقبلة تبقى شديدة الحساسية، لأن آثار الرسوم الجمركية الجديدة قد تظهر تدريجياً في التجارة والاستثمار وسوق العمل.
أولاً: التجارة الكندية… تحسن حقيقي أم نشاط مؤقت قبل الرسوم؟
أظهرت البيانات الرسمية أن كندا سجلت في يونيو/حزيران 2026 فائضاً في تجارة السلع مع العالم بلغ 3.9 مليارات دولار كندي، مقارنة بـ3.7 مليارات في مايو. وبلغت الصادرات 77.5 مليار دولار، مقابل واردات بقيمة 73.6 مليار دولار.
ويتوقع اقتصاديّو RBC أن يرتفع الفائض التجاري في يوليو إلى نحو 4.2 مليارات دولار.
لكن ارتفاع الصادرات المحتمل لا يعني بالضرورة أن الطلب الخارجي على المنتجات الكندية دخل مرحلة نمو مستدام. فمن العوامل التي يشير إليها RBC ظاهرة اقتصادية تعرف باسم Front-loading، أي تقديم عمليات الشراء والاستيراد قبل دخول رسوم جمركية جديدة حيز التنفيذ.
فبعد الإعلان الأميركي في 20 يوليو عن رسوم إضافية على سلع كندية، مع دخول مجموعة من هذه الإجراءات حيز التنفيذ في 22 أغسطس، أصبح لدى بعض المستوردين الأميركيين حافز اقتصادي لاستيراد المنتجات وتكوين مخزون إضافي قبل ارتفاع تكلفتها نتيجة الرسوم. وبالتالي، فإن ارتفاع الصادرات الكندية في يوليو – إذا أكدته البيانات الرسمية – يجب قراءته بحذر: فقد يمثل جزء منه طلباً تم تقديمه زمنياً وليس زيادة دائمة في الطلب. ويتوقع RBC ارتفاع القيمة الاسمية للصادرات الكندية بنحو 0.1% خلال يوليو، مدعومة خصوصاً بشحنات السيارات، مقابل انخفاض متوقع للواردات بنحو 0.3%.
وهناك أساس اقتصادي قوي لأهمية قطاع الطاقة أيضاً. فقد أظهرت بيانات هيئة الإحصاء الكندية أن صادرات السلع الكندية قفزت بنسبة 13.1% خلال الربع الثاني من 2026 لتصل إلى 232.1 مليار دولار، وكان قطاع الطاقة من أهم المحركات، مع ارتفاع صادرات منتجات الطاقة بنسبة 27.4%.
ثانياً: سوق العمل يتحسن… لكن أغسطس قد يحمل رسالة مختلفة . شهد سوق العمل الكندي تحسناً ملحوظاً خلال الصيف.
وفقاً لهيئة الإحصاء الكندية، أضاف الاقتصاد 75 ألف وظيفة في يوليو 2026، وارتفع معدل التوظيف إلى 60.9%، بينما انخفض معدل البطالة من 6.5% إلى 6.4%، وهو أدنى مستوى له منذ يوليو 2024. وتكتسب هذه الأرقام أهمية إضافية لأنها جاءت بعد عدة أشهر كان فيها سوق العمل واحداً من أبرز مظاهر الضعف في الاقتصاد الكندي. لكن RBC لا يتوقع استمرار نمو الوظائف بالوتيرة نفسها في أغسطس. فتقديرات البنك تشير إلى إضافة نحو 5 آلاف وظيفة فقط خلال أغسطس، مع بقاء معدل البطالة عند 6.4%.
الفارق بين الرقمين كبير: 75 ألف وظيفة فعلية في يوليو مقابل توقع لا يتجاوز 5 آلاف في أغسطس. وإذا تحقق هذا السيناريو، فإنه لا يعني بالضرورة دخول سوق العمل في انكماش، لكنه سيشير إلى أن الزيادة الكبيرة في الوظائف خلال يوليو لم تكن وتيرة قابلة للاستمرار شهراً بعد شهر.
ومن العوامل التي تستحق الانتباه أيضاً تباطؤ نمو المعروض من العمالة بسبب التقاعد وانخفاض الهجرة مقارنة بالسنوات السابقة. وهذا يعني أن معدل البطالة قد ينخفض أحياناً ليس فقط بسبب زيادة كبيرة في الوظائف، وإنما أيضاً نتيجة نمو أبطأ في عدد الأشخاص الداخلين إلى سوق العمل.
ورغم ذلك، ترى RBC أن هناك مجالاً لمزيد من التحسن التدريجي، وتتوقع أن يتجه معدل البطالة نحو الانخفاض خلال عام 2027 إذا استمر التعافي الاقتصادي.
ثالثاً: الاقتصاد الكندي أقوى مما كان متوقعاً قبل أشهر
أحد أهم التطورات التي تدعم موقف بنك كندا حالياً هو تحسن النمو الاقتصادي.
أظهرت أحدث بيانات هيئة الإحصاء الكندية أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي ارتفع 0.8% خلال الربع الثاني من 2026، وهو ما يعادل تقريباً 3.3% على أساس سنوي.
وقادت هذا النمو زيادة الصادرات وإنفاق الأسر والاستثمارات الرأسمالية للشركات.
وهذه النتيجة مهمة لأنها تأتي بعد فترة طويلة من الأداء الاقتصادي الضعيف. وكان بنك كندا قد أشار في يوليو إلى أن الاقتصاد بدأ يظهر علامات على التعافي، وأن مصادر النمو أصبحت أكثر تنوعاً.
لكن الصورة ليست إيجابية بالكامل. فبنك كندا لا يزال يتوقع نمواً سنوياً متواضعاً نسبياً للاقتصاد الكندي يبلغ 0.7% في 2026 قبل ارتفاعه إلى 1.8% في كل من 2027 و2028. بمعنى آخر، النمو القوي في الربع الثاني لا يعني أن الاقتصاد خرج نهائياً من مرحلة الضعف، وإنما يشير إلى أن التعافي أصبح أكثر وضوحاً.
رابعاً: التضخم يضع بنك كندا أمام معادلة دقيقة k في اجتماعه الأخير في 15 يوليو، أبقى بنك كندا سعر الفائدة لليلة واحدة عند 2.25%. وكان البنك أمام عاملين يتحركان في اتجاهين متعاكسين.

من جهة، يحتاج الاقتصاد إلى استمرار التعافي بعد فترة من النمو الضعيف، كما أن التوتر التجاري مع الولايات المتحدة يمثل خطراً على الصادرات والاستثمار والنشاط الاقتصادي. ومن جهة أخرى، فإن ارتفاع أسعار النفط والاضطرابات الجيوسياسية رفعت التضخم العام في وقت سابق من العام، ما يجعل خفض أسعار الفائدة أكثر صعوبة إذا ظهرت ضغوط تضخمية جديدة.
وكان التضخم السنوي قد وصل إلى 3.2% في مايو، لكن بنك كندا أوضح أن جزءاً كبيراً من الارتفاع جاء من أسعار البنزين. وعند استبعاد البنزين، كان التضخم 2.2%، بينما بقيت مقاييس التضخم الأساسي قريبة من هدف البنك البالغ 2%.
ولهذا تبدو السياسة النقدية الكندية حالياً في حالة توازن دقيق بين خطرين:
ضعف النمو بسبب الحرب التجارية، وعودة التضخم بسبب أسعار الطاقة والتكاليف التجارية.
خامساً: ماذا يمكن أن يفعل بنك كندا في 2 سبتمبر؟
الاجتماع المقبل لبنك كندا مقرر يوم الأربعاء 2 سبتمبر 2026.
وتتوقع RBC أن يُبقي البنك سعر الفائدة عند 2.25% دون تغيير.
وتبدو هذه التوقعات منطقية عند جمع المؤشرات الحالية: الاقتصاد سجل نمواً قوياً نسبياً في الربع الثاني، البطالة تراجعت إلى 6.4%، والتضخم الأساسي قريب من المستوى المستهدف، في حين أن المخاطر التجارية والتضخمية لا تزال مرتفعة بما يكفي لجعل البنك حذراً. لذلك لا يوجد، وفق المعطيات الحالية، ضغط واضح يجبر بنك كندا على التحرك فوراً في أي من الاتجاهين. لكن الأهم ربما ليس قرار سبتمبر نفسه، بل ما سيقوله البنك عن مسار الفائدة خلال 2027.
كان RBC تتوقع أن يبدأ بنك كندا برفع أسعار الفائدة خلال 2027 مع استمرار تعافي الاقتصاد. غير أن البنك يحذر الآن من أن تصعيداً أكبر في الحرب التجارية يمكن أن يؤخر تلك الزيادات، بل قد يقلب المعادلة بالكامل ويدفع بنك كندا إلى خفض الفائدة إذا تعرض الاقتصاد لضربة كبيرة.
الحرب التجارية أصبحت المتغير الأكبر، هنا تكمن نقطة التحول الأساسية في التوقعات الاقتصادية الكندية. فالولايات المتحدة فرضت رسوماً جديدة على سلع كندية، وأعلنت الحكومة الكندية بدورها إجراءات مضادة. ووفق وزارة المالية الكندية، ستدخل مجموعة من الرسوم المضادة الجديدة حيز التنفيذ في 8 سبتمبر 2026، بمعدلات تبلغ 15% و25% و50% بحسب السلعة، وتشمل منتجات مرتبطة بقطاعات مثل الصلب والألبان والأجهزة والمعدات الزراعية والورق والإلكترونيات. وبحسب الحكومة الكندية، ستغطي هذه الإجراءات واردات أميركية تبلغ قيمتها نحو 27.6 مليار دولار.
حتى الآن، ترى RBC أن مستوى الرسوم المتبادلة ليس كافياً لإخراج التعافي الاقتصادي الكندي عن مساره بصورة جوهرية. لكن المشكلة هي الاتجاه وليس المستوى الحالي فقط. فإذا تحولت الإجراءات الحالية إلى سلسلة متبادلة من الرسوم الأميركية والكندية، فقد تتراجع الصادرات والاستثمارات وتتضرر ثقة الشركات، وقد ترتفع في الوقت نفسه أسعار بعض السلع بسبب ارتفاع تكاليف الاستيراد وسلاسل الإمداد. وهذا السيناريو تحديداً هو الذي يمكن أن يغيّر حسابات بنك كندا.
ماذا تعني هذه التطورات للكنديين؟
بالنسبة للأسر وأصحاب العقارات والمستثمرين والشركات، فإن الأسبوع الأول من سبتمبر سيكون مهماً لأنه قد يقدم صورة أوضح عن الاتجاه الذي سيسلكه الاقتصاد في الخريف.
إذا استمرت التجارة في تحقيق فوائض، وحافظ سوق العمل على استقراره، واستمر التضخم الأساسي قريباً من 2%، فسيكون لدى بنك كندا مساحة للإبقاء على الفائدة مستقرة وانتظار المزيد من البيانات. أما إذا بدأت الرسوم الأميركية في إضعاف الصادرات والاستثمار والتوظيف، فقد تتحول المناقشة خلال الأشهر المقبلة من سؤال “متى سيرفع بنك كندا الفائدة؟” إلى سؤال مختلف تماماً: “هل سيحتاج بنك كندا إلى خفضها مجدداً لدعم الاقتصاد؟”

وفي المقابل، إذا أدت أسعار النفط والرسوم الجمركية واضطرابات سلاسل الإمداد إلى موجة جديدة من ارتفاع الأسعار، فسوف يصبح خفض الفائدة أكثر صعوبة حتى لو تباطأ الاقتصاد.
لهذا فإن الاقتصاد الكندي يدخل الخريف في وضع أفضل مما كان عليه في بداية العام، لكنه في الوقت نفسه أصبح أكثر اعتماداً على عوامل خارجية يصعب التحكم بها، وعلى رأسها السياسة التجارية الأميركية وأسعار الطاقة.

الخلاصة: الصورة الحالية ليست صورة ركود اقتصادي وشيك، لكنها أيضاً ليست عودة كاملة إلى النمو الطبيعي.
الأرقام الرسمية تؤكد وجود تحسن: البطالة تراجعت إلى 6.4%، الناتج المحلي الإجمالي سجل نمواً قوياً في الربع الثاني، والتجارة الخارجية حققت فائضاً قدره 3.9 مليارات دولار في حزيران / يونيو.
وفي المقابل، فإن توقعات يوليو وأغسطس التي قدمتها RBC لا تزال توقعات وليست بيانات فعلية: فائض تجاري متوقع عند 4.2 مليارات دولار في يوليو، وإضافة متوقعة لنحو 5 آلاف وظيفة في أغسطس، مع بقاء البطالة عند 6.4%.
أما قرار الفائدة، فالتوقع الأساسي هو بقاء سعر بنك كندا عند 2.25% في 2 سبتمبر.
لكن الاتجاه بعد ذلك سيتوقف إلى حد كبير على ثلاثة متغيرات: مدى تصاعد الحرب التجارية مع الولايات المتحدة، قوة سوق العمل، ومسار التضخم وأسعار الطاقة.
***
المصادر والمراجع:

1- RBC Economics – Nathan Janzen & Claire Fan, July trade, August jobs and September BoC meeting in focus for Canada, 28 August 2026.
2- Statistics Canada – Labour Force Survey, July 2026, 7 August 2026.
3- Statistics Canada – Canadian International Merchandise Trade, June 2026, 4 August 2026.
4- Statistics Canada – Gross Domestic Product, Income and Expenditure, Second Quarter 2026, 28 August 2026.
5-. Statistics Canada – Canada’s Balance of International Payments, Second Quarter 2026, 27 August 2026.
6-. Bank of Canada – Bank of Canada maintains the policy rate at 2¼%, Monetary Policy Decision, 15 July 2026.
7-. Bank of Canada – Monetary Policy Report – July 2026.
8. Bank of Canada – Summary of Governing Council Deliberations: July 15, 2026.
9 – Department of Finance Canada – List of products from the United States subject to counter-tariffs effective September 8, 2026, August 2026.
10- The White House – Presidential tariff proclamations concerning Canadian products, 20 July 2026.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock