اقتصاديات

علي بدري : كندا أمام أزمة نقص العمالة!!

عايش سبيل .. العدد 165- ص10

عايش سبيل :

كندا أمام أزمة نقص العمالة: كيف ستؤثر التقاعدات وسياسات الهجرة على الاقتصاد وسوق العقارات؟
بقلم: علي بدري- وكيل و خبير عقاري.
مسيساغا – أونتاريو.

تشهد كندا تحوّلاً ديموغرافياً عميقاً قد يُعيد رسم شكل الاقتصاد وسوق العمل خلال السنوات المقبلة. فمع تسارع موجة تقاعد جيل “الطفرة السكانية” وتراجع وتيرة الهجرة مقارنة بالسنوات السابقة، بدأت ملامح أزمة هيكلية في سوق العمل الكندي تظهر بشكل أوضح، وهي أزمة لا تقتصر آثارها على الوظائف والرواتب فقط، بل تمتد إلى قطاع العقارات، والبناء، والاستثمار، وحتى القدرة الاقتصادية العامة للبلاد. بحسب تحليل حديث صادر عن قسم الاقتصاد في البنك الملكي الكندي RBC، فإن كندا تدخل مرحلة حساسة قد تواجه فيها “ضغطاً حاداً في سوق العمل” نتيجة خروج أعداد كبيرة من العمال إلى التقاعد، مقابل تباطؤ نمو فئة الشباب القادرين على دخول سوق العمل. وتشير البيانات إلى أن معدلات التقاعد الشهرية أصبحت تقارب ضعف ما كانت عليه قبل عقدين، مع استمرار هذا الاتجاه حتى ثلاثينيات القرن الحالي.
موجة التقاعد الكبرى: جيل “البيبي بومرز” — وهم المولودون بعد الحرب العالمية الثانية — يشكلون جزءاً ضخماً من القوة العاملة الكندية. واليوم، يصل هذا الجيل إلى سن التقاعد بوتيرة متسارعة، ما يعني خروج عشرات الآلاف من الموظفين والمهنيين والعمال المهرة من سوق العمل كل شهر.
وتقدّر الدراسات أن ملايين الكنديين سيتقاعدون خلال العقد المقبل، بينما لن يكون عدد الداخلين الجدد إلى سوق العمل كافياً لتعويض هذا النقص.
هذا التحول يخلق أزمة مزدوجة:
انخفاض عدد العمال المتاحين للشركات
ارتفاع الحاجة إلى موظفين في قطاعات حيوية مثل البناء، النقل، الصحة، والخدمات
وفي الوقت نفسه، بدأت نسبة المشاركة في سوق العمل بالتراجع إلى مستويات تُعد من الأدنى منذ عقود، خاصة مع تباطؤ الهجرة في السنوات الأخيرة.
الهجرة: من محرّك اقتصادي إلى ملف سياسي حساس
لطالما اعتمد الاقتصاد الكندي على الهجرة لتعويض الشيخوخة السكانية والحفاظ على نمو سوق العمل. فالمهاجرون الجدد، وخاصة الشباب، كانوا يشكلون مصدراً أساسياً للقوة العاملة وللطلب على السكن والاستهلاك.
لكن بعد الارتفاع الكبير في أعداد المهاجرين والطلاب والعمال المؤقتين خلال فترة ما بعد الجائحة، بدأت الحكومة الكندية بفرض قيود وتشديدات على برامج الهجرة والإقامة المؤقتة، في محاولة للحد من الضغط على سوق الإسكان والخدمات العامة. ورغم أن هذه السياسات ساهمت في تهدئة بعض الضغوط على الإيجارات وأسعار الشقق السكنية، إلا أنها في المقابل خلقت مخاوف حقيقية من نقص العمالة مستقبلاً، خاصة في القطاعات التي تعتمد بشكل كبير على العمال المهاجرين مثل:
البناء والتشييد والرعاية الصحية و النقل والخدمات اللوجستية والزراعة والضيافة والخدمات. ويحذّر خبراء الاقتصاد من أن أي “تشدد مفرط” في سياسات الهجرة قد يؤدي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي وزيادة النقص في العمالة الماهرة.

ماذا يعني ذلك لسوق العقارات؟
الجانب الأكثر أهمية بالنسبة للمهتمين بالعقارات هو أن هذه التحولات السكانية ستنعكس مباشرة على السوق العقاري الكندي، ولكن بصورة معقدة ومتباينة.
أولاً: ضغط على قطاع البناء
قطاع البناء في كندا يعاني أصلاً من نقص العمال المهرة، ومع تقاعد المزيد من العاملين في هذا المجال، قد تصبح عملية بناء المنازل الجديدة أبطأ وأكثر تكلفة.
وتشير تقارير صناعية إلى أن كندا قد تواجه نقصاً كبيراً في العمال المهرة خلال السنوات المقبلة، ما سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف البناء والصيانة والتجديدات.
وهذا يعني أن: المعروض السكني قد لا ينمو بالسرعة المطلوبة وأيضا تكلفة تطوير المشاريع العقارية سترتفع، كما أن أسعار المنازل قد تتعرض لضغوط صعودية على المدى الطويل.
ثانياً: تغيّر طبيعة الطلب السكني
مع تقدّم السكان في العمر، قد يتغيّر نوع العقارات المطلوبة في السوق:
زيادة الطلب على الشقق الصغيرة والمساكن المناسبة لكبار السن
تراجع نسبي في الطلب على المنازل الكبيرة لدى بعض الفئات
نمو الطلب على المجتمعات السكنية القريبة من الخدمات والرعاية الصحية
وفي المقابل، فإن تباطؤ الهجرة قد يخفف مؤقتاً من الضغط على الإيجارات وأسعار بعض العقارات، خاصة في المدن التي تعتمد بشكل كبير على الطلاب والعمال المؤقتين.
هل تواجه كندا “أزمة ديموغرافية”؟
العديد من الاقتصاديين باتوا يصفون الوضع بأنه “تحدٍ ديموغرافي طويل الأمد”، لأن المشكلة لا تتعلق فقط بعدد السكان، بل بتركيبة الأعمار داخل المجتمع.
فالاقتصاد يحتاج إلى:
شباب يعملون ويدفعون الضرائب
عمال مهرة لدعم الإنتاج والبناء
نمو سكاني يحافظ على النشاط الاقتصادي
وفي حال استمر انخفاض نمو القوى العاملة، قد تواجه كندا:
تباطؤاً اقتصادياً
وضغوطاً تضخمية في بعض القطاعات
صعوبة في تمويل الخدمات الحكومية والرعاية الصحية
تحديات أكبر في بناء المساكن المطلوبة
وقد أشار مسؤولون في بنك كندا إلى أن التغيرات الهيكلية المرتبطة بالشيخوخة والهجرة أصبحت تجعل إدارة الاقتصاد والسيطرة على التضخم أكثر تعقيداً من السابق.
الخلاصة: كندا تدخل مرحلة اقتصادية جديدة عنوانها الرئيسي: “العمالة أصبحت مورداً نادراً”.
فالتقاعد الجماعي لجيل كامل، إلى جانب إعادة ضبط سياسات الهجرة، يضعان الاقتصاد أمام معادلة صعبة بين:
الحاجة إلى العمالة والنمو والحاجة إلى ضبط تكاليف السكن والخدمات. أما بالنسبة لسوق العقارات، فمن المرجح أن تستمر التحديات المرتبطة بنقص البناء وارتفاع التكاليف، حتى لو شهدت بعض المدن هدوءاً مؤقتاً في الأسعار أو الإيجارات بسبب تباطؤ الهجرة. وفي النهاية، يبدو أن مستقبل الاقتصاد الكندي لن يعتمد فقط على أسعار الفائدة أو حركة الأسواق، بل أيضاً على قدرة البلاد على تحقيق توازن دقيق بين الشيخوخة السكانية، والهجرة، والإسكان، والإنتاجية الاقتصادية.

المصادر:
RBC Economics
Bank of Canada
Statistics Canada
Reuters
IRCC Canada

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock