ثقافيات

عابر سبيل – لماذا نصوم في رمضان ؟

بقلم - الأديب خالد حميدان . ص 4 - العدد 162

لماذا الصوم في رمضان ؟
بقلم : الاديب خالد حميدان، تورونتو – اونتاريو
“رمضانٌ مبارك وأملٌ بغدٍ يعم فيه الأمنُ والسلامُ في أوطانِنا وتغمرَ المحبةُ قلوبَنا وضمائِرَنا..”


—————
لماذا الصوم في رمضان؟
بحسبِ الدراساتِ الإسلامية، الصوم في رمضان هو ركنٌ من أركانِ الإسلام إذ لا يوازيه أيُّ صومٍ آخرَ. وهكذا يتمُّ من خلالِه، تكفيرُ المسلمِ عن ذنوبِه بالإضافةِ إلى تطهيرِ القلبِ وتحقيقِ التقوى وتحقُّقِ أجرِ الصبرِ على الطاعةِ والامتناعِ عن المعاصي. لذلك قيل “إن الصيامَ في رمضان هو طريقٌ لدخولِ الجنة..” وأهمُّ ميزةٍ لشهرِ رمضان عن باقي الأشهرِ أنه تُفتحُ فيه أبوابُ التوبةِ للمؤمنين، فيكثرون من الاستغفارِ والدعاءِ وتجنُّبِ السيئاتِ والكبائرِ والإقبالِ على أعمالِ الخير. كما تتخللُ الشهرَ الفضيلَ “ليلةُ القدر” وهي من أعظمِ الليالي وقد نزِلَ فيها القرآنُ الكريمُ على رسولِ الله، ومن قامَ في هذه الليلةِ داعياً الله وطالباً غفرانَه، استجابَ الله لدعائِه وحقَّقَ طلبَه..
والصومَ المقبولَ في رمضان هو المرتبطُ بالتوبةِ والرجوعِ إلى الله والتذللِ لطلبِ القوةِ الروحيةِ الإيمانيةِ القادرة على مواجهة قوى الشر. أضفْ بأن الصّومَ علامةٌ مميزةٌ في حياةِ الإيمانِ، يعبِّرُ فيه المؤمنُ عن خضوعِه وطاعتِه لله كما يطيعُه في الصلاةِ ووصاياه الأخرى. وإذ يميلُ الإنسانُ بطبيعتِه إلى ما يشبعُ طموحَه ويعزِّزُ وجودَه، فقد رحَّبَ المسلمون بما حملَه القرآنُ الكريمُ من وصايا وهي موجهةٌ، ليسَ للمسلمين المؤمنين وحسب، وإنما للبشريةِ كافةً. لذلك ترى كثيرًا من المستشرقين يأخذون بعضَ الآياتِ التي تحملُ معاني السلامِ والمودةِ للدلالةِ على أهميتِها في تعميقِ أواصرِ العلاقاتِ بين الناسِ كافةً مهما اختلفتِ الأديانُ والعقائدُ.
ومن الملاحظِ أن الانصرافَ إلى الصومِ والصلاةِ يرتبطُ بالتوبةِ والرجوعِ إلى الله عزَّ وجلَّ بما يعنيه اللهُ من فضائلَ وقيمٍ تمكِّنُ المؤمنَ من التقرِّبِ والالتصاق بروحِه. أما القيمُ فهي مندرِجةٌ في أسماءِ الله الحسنى. وقد سمِّيتْ كذلكَ لحسنِ معانيها وعددها تسعٌ وتسعون: كالرحمنِ والرحيم، العليمِ والحليم، السميعِ والبصير، الخبير والشهيد، الهادي والبديع.. إلخ. وطالما أن الصلاةَ والصيامَ مرتبطان بالتوبةِ والرجوعِ إلى الله، فمنَ الطبيعي أن يقومَ المؤمنُ بما يُرضي الله من أفعالٍ تشكِّلُ في مجموعِها واجباً يومياً يستمرُّ إلى ما بعدَ نهايةِ الشهرِ الفضيلِ..
وهنا نطرحُ السؤالَ التالي: هل هذا ما يقومُ به المؤمنون فعلاً خلالَ شهرِ رمضان وما بعدَه ليحققوا الغايةَ المنشودةَ من الصومِ؟ قبل الإجابةِ على هذا السؤالِ، دعونا ننظرُ في المعنى اللغوي لكلمةِ “رمضان”. رمضان هو مُثنَّى لكلمةِ “رمضٌ” والرمضُ يعني الحرقةَ الناتجةَ عن شدةِ الحرارةِ ومنها “الرمضاءُ” أي البادية التي يشتد فيها الحر. وهكذا فإن المرادفَ لكلمةِ رمضان هو “حرقتان”: حرقةُ الشوقِ إلى الله (في المنحى الروحاني) وحرقةُ الشوقِ إلى الطعامِ وسائرِ المفطِراتِ (في المنحى الدنيوي). وقد اتفقت المدارسُ الفقهيةُ الإسلاميةُ الأربع على هذا التعريفِ اللغوي وإن اختلفتْ بعضُ شروطِها الشكليةِ في التطبيقِ العملي.. ولا بدَّ هنا من التأكيدِ على أنه إذا كان الصومُ في غيرِ هذا الاتجاه فهو باطلٌ إذ لا فائدةَ من صلاةٍ وصومٍ وزكاةٍ ما لم تُنهِ الانسانَ عن المنكرِ ومثيله من الأعمالِ..
الملاحظُ في سلوكِ الناس اليومَ، باستثناءِ القلةِ من المؤمنين الأتقياء، أنه رَغمَ صومِهم وانقطاعِهم عن الأكلِ والشرابِ، يقومون بمجموعةٍ من العاداتِ لا تتصلُ بجوهرِ الصومِ بشيء كالمغالاةِ في الإنفاقِ لتحضيرِ أفخرَ المأكولاتِ والحلوياتِ أو التلهي بمشاهدةِ البرامجِ والمسلسلاتِ التلفزيونيةِ التي باتتْ تُنتَجُ في كل سنةٍ خصيصاً للسهراتِ الرمضانيةِ، إلى ما هنالك من مشاغلَ دنيويةٍ أخرى. كل ذلك لكي يتناسوا ألمَ العطشِ والجوعِ بانتظارِ ساعةَ الإفطارِ.. وهكذا، فقد تحولتْ تلك العاداتُ إلى عباداتٍ وتمَّ التخلي عن الجوانبِ الروحانيةِ الأساسيةِ للصوم. فبناءً على ما تقدم، أدعو جميع المهتمين من الشباب العربي المثقف إلى إبداء الرأي أو الرغبة في المشاركة بتأليف لجان تثقيفية تضطلع بتظهيرِ دورَ المبدعين العربْ الذين كانت لهم بصماتٌ نافرةٌ في حضارةِ بني الإنسانِ في العالم وتوسيع دور هذه اللجان، إذا كان لها أن تبصر النور، ليشمل شرح معنى المناسبات والأعياد وتلقينها إلى الناشئة العربية في الوطنِ كما في المغترباتِ، بالمضمونين الدنيويِ والروحانيِ، بدلاً من أن نتركَ الأمرَ “على الغارب” لتعددِ الشروحاتِ والاجتهاداتِ.
*****

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock