ثقافيات

هل صحيح أن العرب لم يفعلوا شيئا للحضارة؟

بشير سبيل العدد 97 ص 12

هل صحيح أن العرب لم يفعلوا شيئا للحضارة؟

كتب : الدكتور بشير الخضرا
****
نجد أحيانا من يقول: ماذا فعل العرب للحضارة الإنسانية؟ وفي أحوال الهزائم التي نشهدها هذه الأيام وما يستتبع ذلك من تيئيس للإنسان العربي، نلاحظ مناخ استجابة لهذا الشعور وقبولا بالقول إن العرب لم يفعلوا شيئا سوى أن ظهر فيهم الدين الإسلامي على يد النبي المرسل محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم. ويذهب البعض للقول: حتى العلماء والفقهاء والفلاسفة كانوا كلهم من الشعوب التي اعتنقت الإسلام، وينكرون مساهمة العرب في كل ما تم إنجازه من علوم فقه وحديث وطب وهندسة وعلوم الطبيعة والكيمياء والتاريخ والجغرافيا والاجتماع وغيرها على مدى الحضارة الإسلامية.
إن هذه المسألة ليست مقتصرة على عصرنا، بل إنها ظهرت منذ بداية توسع الإسلام في أقطار شاسعة وانضمام شعوب كثيرة عريقة إلى المحيط العربي الإسلامي الزاخر. وقد أدى ذلك إلى اختلاط العرب بالأمم الأخرى ما خلق حركة فجرت مكنون ذلك المجموع الهائل من القوى البشرية متنوعة الثقافات والتراث والديانات.
وعلى الرغم من أن الإسلام ساوى بين بني البشر، فقد بدأت بعض مظاهر المنافسة بين تلك الشعوب واتخذت شكلا سلبيا، وظهر ما كان يُعرف بالشعوبية، أي ظهور المشاعر القومية بين العرب والشعوب الأخرى، وبخاصة الفرس. وكُتب عنها الكثير. وأذكر هنا قصيدة مهيار الديلمي التي تعبر بشكل خفي عن هذه المشاعر. ونختار منها االبيتين التاليين اللذين يرد فيهما الشاعر مهيار على السيدة التي أعجبت به وسألته عن أصله، وهذا رده الجزئي اختصارا:

قد قبستُ المجدَ عن خير أبِ وقبستُ الدينَ عن خير نبي
فضممت الفخرَ من أطرافِه سؤددَ الفرسِ ودينَ العربِ

فهنا يُعلن مهيار أن المجد والسؤدد أخذه من أجداده الفرس وأن كسرى هو خير أب، أما ما ورثه عن العرب فهو دينهم وليس لهم فيه فضل لأنه من عند الله. وهذا جوهر الاتجاه الشعوبي لدى الفرنجة/الفرس بخاصة. وفي هذا تَجَنّ كبير على دور العرب، فكما قالت الآية الكريمة: “الله أعلمُ حيث يجعل رسالته” (الأنعام: ١٢٤).
فاختيار الرسالة المحمدية باللغة العربية يحملها نبي عربي هو تكريم للعرب ولغتهم، وإيحاءٌ بأن الله لم يفعل ذلك إلا لعلمه بقدرة محمد وقومه على حمل الرسالة. وقد ثبت ذلك منذ بدء الرسالة واستمرارا حتى مرور القرون الثلاثة الأولى الهجرية، فلا شك في أن الإسلام لم يكن لينجح دون الكفاح والمجاهدة من النبي والمسلمين (الذين كانوا في البداية كلهم عربا)، حيث برز العديد من الكفاءات العربية القيادية والإدارية والفقهية والقضائية، ما أظهر للوجود دولة قوية استطاعت أن تواجه الدولتين العظميين في ذلك الوقت، قبل إن تنضم شعوب أخرى للجهاد ونشر الدين. ولا شك في أنه حدث سوء فهم لدور العرب نتيجة للوصفين اللذين وصف بهما عرب ما قبل الإسلام وهما وصف “أهل الجاهلية” ووصف “الأميين”، ما أدى ألى التأويل الخاطئ المؤدي إلى إنكار أي فضل للعرب على الحضارة. ولا بد من التبيين أن هذين الوصفين يعنيان عدم وجود دين سماوي عند العرب، ولم تكن تعني الجهل والتخلف؛ فقد كانت مكة مركزا رئيسا لمرور التجارة العالمية وكان تجار قريش من أكبر تجار العالم، وهذا يعني الاختلاط المتواصل مع العالم عن طريق التجارة.
إن أكبر فضل للعرب مع الإسلام أنهم خلقوا حركة تغيير تاريخية عالمية فتحت الحواجز بين الشعوب المختلفة وأوجدت نظاما جديدا لمعايير السلوك الإنساني بُنيت عليه الحوارات الفكرية والدينية والثقافية والفلسفية وخلقت حركة ترجمة عالمية وكتابة وتأليف وبحوث في مجالات العلوم كافة، دينية ودنيوية، ما جعل الحواضر الإسلامية مراكز الإشعاع للشعوب الأخرى. ولولا هذا المناخ الثري في مكوناته البشرية المتعددة لم يكن العالم ليسمع بإبن سينا أو ابن النديم أو الفارابي أو ابن رشد أو الغزالي أو ابن بطوطة، وعشرات الآلاف غيرهم على مدى القرون الفائتة. ونستطيع استيعاب الأمر بسهولة أكبر إذا قارنا ذلك الوضع بما يحدث خلال عصرنا الحالي في دولة جاذبة للعبقريات كالولايات المتحدة، مع الفوارق في القِيَم بين ثقافتنا التي احترمت الأمم الأخرى وثقافة الغرب التي دمرت الشعوب الأخرى، فكلنا يعرف أن النسبة الكبرى من العلماء الذين يبرزون في الولايات المتحدة ويُنتجون الأبحاث العلمية والاكتشافات والمؤلفات الرصينة ويحصدون الجوائز العالمية يأتون أصلا من شعوب أخرى من العالم كافة. وهذا بفضل البيئة التي احتضنتهم وساعدتهم على الإبداع.
أما بخصوص الأصول “العرقية” للعلماء والمبدعين في ذلك الزمن، فيجب أن ندرك أولا أننا نتكلم عن قرون طويلة اختمرت فيها تلك العبقريات حدث فيها اندماج كبير بين العرب وغيرهم ضمن رابطة الإٍسلام، أو حتى مع بقاء بعض الناس على ديانتهم أو عقائدهم، كالنصارى واليهود والمجوس وغيرهم، وبقائهم أعضاء عاملين ونافعين في المجتمع الجديد المتواصل الاتساع. فربما بعد جيلين أو ثلاثة أجيال من الاندماج، فإن الكثيرين من أعضاء الشعوب الأخرى أصبحوا عربا بالإضافة إلى كونهم مسلمين، مع بقاء آخرين على أعراقهم ولغاتهم الأصلية. وأصبحتَ تراهم جميعا مواطنين في دولة كبرى اختلطت فيها الأنساب، كما امتدت الديموغرافيا العربية لتشمل مصر والسودان وكل شمال أفريقيا، وحلّت الأبجدية العربية محل أبجديات قديمة أخرى في لغات معظم الشعوب المسلمة.
ولو راجعنا سير العلماء والفلاسفة والمفكرين المسلمين نجد أن الكثيرين منهم كانوا من أصول عربية بما لا يترك مجالا للشك، بينما نجد أن آخرين جاؤوا من أصول فارسية أو تركية أو أفغانية أو بخارية، أو من شعوب مصر وشمال أفريقيا، (ولكن هؤلاء أصبحوا في الغالب عربا). ولكنهم جميعا في واقع الحال يعيشون في مجتمع عربي إسلامي ويكتب في الغالب بالعربية وغيرها، وستجد أن الكثيرين منهم كانوا يتقنون أكثر من لغتين لولعهم بالعلم والبحث بأي وسيلة ممكنه. وبسبب ضيق المجال هنا، سوف أشير باختصار شديد إلى بعض النماذج الدالّة على ما نقول.
لنأخذ مثلا شخصية كبرى عالمية كالكِندي (٨٠٥م-٨٧٣م). إن اسمه يتحدث عن أصله. وينص التعريف به على أن “الكندي هو أبو يوسف يعقوب بن إسحق بن الصّبّاح ولد في الكوفة في بيت من بيوت شيوخ قبيلة كندة، وكان والده واليا على الكوفة، فهو عربي مسلم برع في الفلك والفلسفة والكيمياء والفيزياء والطب والرياضيات والموسيقى وعلم النفس والمنطق الذي كان يُعرف بعلم الكلام.
مثال آخر عن شخصية عالمية هو أبن رشد الشهير ب(الحفيد)، ولُقّبَ بالحفيد لتمييزه عن جدّه الذي كان قاضيا مشهورا بنفس الاسم. ويقول تعريفه بأنه “أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد (١١٢٦م-١١٩٨م في قرطبة، ومراكش) هو فيلسوف وطبيب وفقيه وقاضي وفلكي وفيزيائي عربي مسلم أندلسي نشأ في أسرة من أكثر الأسر وجاهة في الأندلس والتي عُرفت بالمذهب المالكي، حفظ مُوَطّأ الأمام مالك، وديوان المتنبي ودرس الفقه على المذهبالمالكي، ويُعرف ابن رشد عند الغرب ب (Averroes) وهو من أهم فلاسفة الإسلام”.

مثالٌ آخر هو ابن الهيثم، وهو أبو علي الحسن بن الحسن بن الهيثم (٩٦٥م-١٠٤٠م)، عالم عربي مسلم قدم إسهامات كبيرة في الرياضيات والبصريات والفيزياء وعلم الفلك والهندسة وطب العيون والفلسفة العلمية والإدراك البصري وتميّز باستخدامه المنهج العلمي، وله العديد من المؤلفات والمكتشفات العلمية التي أكدها العلم الحديث. وتدل سيرة حياته على أنه وُلد في البصرة، حيث لُقّب بالبصري نسبة للبصرة، في فترة العصر الذهبي للإسلام. وقاد عاش فترة طويلة من عمره في القاهرة حيث وعد الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله أن يضع نظاما رياضيا يُنظم تدفق ماء النيل ويمنع الفيضانات، ولكنه لم يستطع تحقيق ذلك لقلة الموارد، كما تقول المصادر. وعلى الرغم من ترجيح أن أصله عربي وسني، فهناك بعض الأقوال حول احتمال كون أصله فارسيا. وهذه حالة متكررة في الكثير من سير العلماء وهي دليل على اندماج الشعوب في بوتقة واحدة وفي بيئة مُوَلّدة للإبداع.

مثالٌ آخر هو الفارابي (٨٧٤م-٩٥٠م) هو أبو نصر محمد بن أوزلغ بن طرخان الفارابي. ولد في مدينة فاراب في إقليم تركستان، كازاخستان حاليا، وهو فيلسوف مسلم من أصل تركستاني. عكف في مسقط رأسه على دراسة طائفة من مواد العلوم والرياضيات والآداب والفلسفة واللغات، بخاصة التركية لغته الأصلية بجانب معرفته باللغات العربية والفارسية واليونانية. وهذا يدل على أن تدريس العلوم واللغات كان متوافرا في معظم أصقاع الدولة بحدودها المتسعة في ذلك الوقت. إن حياة الفارابي نموذج ناطق لتجوال المبدعين من أقصى البلاد لأقصاها طلبا للعلم، مع عدم وجود الحواجز وتيسّر سبل الدعم من الحكومات، فهذه كانت أهم مجالات التنافس بين الحكام. فبالإضافة إلى إعداده العلمي واللغوي في مسقط رأسه، درس الفارابي في حران الفلسفة والمنطق والطب على الطبيب المسيحي يوحنا بين حيلان، ودرس في بغداد الفلسفة والمنطق على أبي بشر متى بن يونس من أشهر مترجمي الكتب اليونانية ومن أشهر الباحثين في المنطق، ودرس في بغداد أيضا العلوم اللسانية العربية على ابن السراج والموسيقى.
سُمّي الفارابي “المعلم الثاني” نسبة للمعلم الأول أرسطو بسبب اهتمامه بالمنطق لأن الفارابي هو شارح مؤلفات أرسطو المنطقية. وضع الكثير من المصنفات، وفي حلب وهو في كنف سيف الدولة كان منقطعا للبحث والتدريس. وقد عرف عنه زهده وتكرسه للعلم فلم يتزوج ولم يقبل إلا القليل من الدراهم لعيشه ولم يُرد أن يحصل على الثراء وكان بإمكانه ذلك بسهولة بسبب قربه من سيف الدولة.

ومن أراد التوسع في معرفة عظمة هؤلاء العلماء وعظمة البيئة التي أتيحت لهم للإبداع، يستطيع وهو في مكانه أن يعرف كل شيء من خلال الرجوع إلى موسوعة ويكيبيديا المتاحة على الشبكة العنكبوتية مباشرة، كأفضل وأيسر طريق لاستيعاب حقيقة ما قدمه للحضارة العربُ وغيرُهم من الشعوب. وبكفي أن نلاحظ أنه عندما أفَلَت شمسُ العرب عن قيادة الدولة الإسلامية، توقف إنتاج المبدعين تدريجيا حتى وصلنا إلى العقم العربي والإسلامي خلال القرون الأخيرة من حياة الدولة الإسلامية.

د بشير محمد الخضرا
Email: [email protected]
***
مواضيع ومقالات منوّعة تجدها في العدد الجديد من ساخر سبيل رقم 97
اقرأ العدد الجديد على ..
www.canadasabeel.com

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock