ثقافيات

ق.ق.ج

فاكر سبيل

كتب : رشدي الماضي- حيفا


***

قصَّة قصيرة جدّا، وهي نصٌّ ابداعي اقتحم المشهد الأدبي بقوّة في العالم العربي، فثبتت وجودها ورسَّخت أقدامها على السّاحة الثّقافيّة وتمكّنت من الكُتّاب والمتلقين في آن… كذلك نجحت أنْ تًصبح مفصلة للتّعبير عن هموم شعبنا فراحا وأتراحا، مُتّكئة على وعي مبدعيها بأنّنا كأُمَّة، أخْوة في الهمِّ الواحدة، فجاءَت مرآةً صادقة تعكس ما يُشْغل بال النّاس جميعا ويستحوذ عليهم، خاصّة قضيّة القلق الوجودي والخوف من المستقبل… مِمّا جعل الهَمُ السّياسي والاجتماعي والتّعليمي بالنّتيجة يُصْبح موضوعا لا فكاك، ويتمرأى في “معجم”؛ الفقر، البطالة، الفساد، نسبة الجهل العالية وَتَغَوّل الأَنظمة الظّالمة التي تُنَغّصُ حياة النّاس وتحرمهم من نِعْمة الطّمأنينة…
أمام هذه الهاوية السَّحيقة الباذخة بالمظلومين، وقف مبدعو القصَّة القصيرة جدًا، فحدّقوا في أوجاع وهواجس شعبهم، ليس بهدف الشَّكوى، بل ليتمكّن المبدع منهم رؤية حلم الانسان العربيّ الكبير، لكي يوظّف نَصَّهُ آليةً تحول دون سقوطهِ وانكسارِهِ مِمّا يُمكّن السُّيول عندها من جرف شظاياه الى البحر…
ولكي يضمن مبدعو هذا النّوع الأدبي عنصر النّجاح وسِعَة الانتشار لقصصهم القصيرة جدّا، فقد جعلوها تُناسب أدوات الاتصال الحديثة؛ الهواتف الخلوية، الشبكة العنكبوتيّة، الفيسبوك، الواتس-اب، والتّويتر… مُسْتفيدين جدّا من الطّاقة الباطنيّة الكثيفة الكامنة في نصِّهم، التي تُحفّز وعي المتلقي على تجلية المعاني الخفيّة في ذهنِهِ، ثُمَّ المُماثلة بينها وبين ما تختزنه قِصّة المبدع القصيرة، تركيبا، محتوى وغاية…
هذا مع قِيامِهِ كمبدع راءٍ وحداثي مُنْفتح، بمزج الواقعي والغرائبي، السُّخرية والتَّهكميّة، والمفارقة المُدْهشة، بالإضافة الى التجريد والإيجاز، التكثيف والإضمار، ودِقّة اختيار الألفاظ، لتتغلغل معانيها في نسيج اللغة لتأتي مزيجا سَلسًا بين الشِّعر والنّثر…
ومن المُهمّ بمكان أن أُسجّلَ وأضيف: أنّ القِصّة القصيرة جدا امتازت بالعُموميّة فابتعدت عن عنصر تحديد الانتماء، كي تنقل نَصَّها الى الكونيّة، فتجعلهُ مُشاركا في الأبعاد الوجوديّة العامّة، ويتمّ التفاعل معه ضمن دوائر قرائيّة عالميّة… فيصل الى مُتلقّيه نصًّا عبر نوعيّ وعبر حضاريّ بإيقاع سريع في تطوّر وسير الأحداث حتّى نهايتها المفاجئة التي تجمعها في مُحصِّلة ناجعة، تنقل فكرة القِصّة الى المتلقي بقوّة…

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock