ثقافيات

قراءة في مسرحية “مدرسة المهاجرين”

لفرقة تياترو العرب الكندية


قراءة في مسرحية “مدرسة المهاجرين”
لفرقة تياترو العرب الكندية
بقلم/ الدكتور أحمد البوريني

المنتدى العربي الكندي للحوار الثقافي ARABiCAN – تورنتو
[email protected]

_________________________________________________________
قدمت فرقة تياترو العرب الكندية بالتعاون مع جمعية CPPF في 14 مايو عرضها المسرحي الكوميدي “مدرسة المهاجرين” على مسرح مدينة أوكفيل Oakville بأونتاريو؛ بعد تأجيل امتد لعامين بسبب جائحة كورونا، وهي من تأليف أ. محمد هارون وإخراج الدكتور جورج وديع.

السياق والنص: تدور أحداث المسرحية في فصل دراسي لتعليم اللغة الإنجليزية لغير الناطقين بها يضم مجموعة من المهاجرين حديثاً من مختلف الفئات العمرية، ومن شتى المجالات المهنية والأصول والخلفيات العرقية، وبخاصة عدداً من العرب من مصر وفلسطين ولبنان وسوريا والمغرب وغيرهم.
اعتمد النص الذي كتبه أ. محمد هارون بالتعاون مع ورشة الكتابة على كوميديا الموقف و”الإفيهات” السريعة المستقاة من سياق المفارقات التي تفرزها التفاعلات الحياتية والحوارات اليومية للقادم الجديد الذي يعيش بين المأمول من حلم الهجرة إلى كندا والواقع المأزوم بتحديات صعوبة التواصل والتباين الثقافي. ذلك المهاجر البسيط المنفصل عن وطنه الأم هائماً وباحثاً عن مستقبل أفضل والساعي للاندماج مع عالمه الجديد اضطراراً أو اختياراً؛ وفي الوقت نفسه تتنازعه المقارنات بفعل متلازمة النوستالجيا أو الحنين إلى الماضي الذي عاشه في وطنه (بغض النظر عن مدى صدق الصورة التي يرسمها)، وما يعيشه من واقع جديد مختلف بتفاصيله. من رحم هذه المصاعب والتجاذبات والمفارقات أو قل العبثية… تولد الابتسامة والضحكة؛ على مبدأ شرُّ البلية ما يضحك. ومع حقيقة أن العقل البشري بحكم طبيعته يعتمد على المقارنة، وأن أول ردة فعل على التحديات هي الرفض واتخاذ موقف الدفاع، يبرز الكاتب بعضاً من الأبعاد النفسية وردود الأفعال لدى شخصيات المسرحية التي تتفاوت في ذلك وفقاً لعوامل السن والمستوى الثقافي وبالتالي القدرة على تقبل الواقع الجديد. لقد انتقد النص على لسان شخصيات العمل عدة أشكال من معاناة المهاجر الجديد، كجزء أصيل من رسالة المسرح. فبالإضافة إلى صعوبة تعلم اللغة في سن متقدمة نسبياً، ناقش العمل موضوعات مهمة مثل تحديات اعتماد الشهادات العلمية وصعوبة الحصول على تصريح مزاولة بعض المهن وغيرها؛ وهي أزمة قد تصل إلى حد الظاهرة أحياناً، إلى زمن الانتظار الطويل في قسم الطوارئ بالمستشفيات؛ مما دعا أبو شلبك ورفيقه المراجع “أبو صفوح في المسرحية” إلى اتخاذ القرار الصعب بتفضيل العودة إلى البيت وتحمل الآلام على الانتظار لساعات طويلة.
إلا أن النص لم يغفل في الوقت نفسه الجوانب الإيجابية الكثيرة للحياة الجديدة في كندا كبلد آمن فتح ذراعيه لكثير من المهاجرين واللاجئين … من المقهورين والمتعثرين والحالمين بمستقبل أفضل، فكان علم كندا حاضراً يرفرف في أيدي شخصيات العمل.
ومما قد يؤخذ على النص هنا اتباع الشخصيات الخطاب المباشر للجمهور في موقفين غلب عليهما طابع الوعظ المباشر وإسداء النصيحة، وكنت أفضل لو خُيِّرت كمشاهد أو ناقد أن يكون ذلك من خلال حوار غير مباشر وأكثر عمقاً. من جانب آخر، احتاج النص أحياناً إلى الحفاظ على الحبكة المتماسكة التي تربط المشاهد والتطور الدرامي للأحداث وصولاً إلى الذروة وعلى نحو يشد انتباه المتفرج ويستحوذ على اهتمامه طوال الوقت، وهي المهمة التي تضطلع بها حبكة العمل المسرحي عموماً. وهذا لا يعني غياب الحبكة الدرامية تماماً في هذا العمل.


الممثلون: على الرغم من اعتماد العمل على الممثلين الهواة بوجه عام لتجسيد الشخصيات، إلا أن الأداء حسب رأيي جاء جيداً من معظمهم، وتألق عدد من الممثلين ذوي الخبرة والحضور الجاذب “الكاريزما” مثل محمد هارون في شخصية “أبو شلبك”، ومينا حنا في دور “شكري”، ومحمد الأسدي في دور “أبو صفوح”.
في حين برزت سناء سمير في دور “أم شلبك”، وداليا رجب بدور “المعلمة كارولين”، ومحمود يحيى في دور “مصيب”، وراتب كوبايا في دور “سليم”، وهلا صبّاح في دور “نيرمين”، دون إغفال الأدوار المهمة الأخرى لبقية الممثلين والفنيين. على صعيد آخر، لوحظ أحيانا بعض التفاوت الملموس بين مستويات الممثلين من جهة، أو للممثل نفسه من مشهد إلى آخر عند البعض. وربما نقبل هنا بعضاً من ذلك التفاوت في الأداء التمثيلي إذا راعينا الظروف الاستثنائية التي يمر بها إعداد العمل على عدة مستويات.
ومن الواضح أن القائمين على هذه المسرحية حاولوا اختيار أكبر عدد من الممثلين لتجسيد الشخصيات التي تمثل الأصول والخلفيات المختلفة، وكانت هناك إمكانية لمزيد من الأدوار لشخصيات أخرى تمثل الأقليات الظاهرة في المجتمع الكندي.

الإخراج: من أبرز ما مّيز مسرحية مدرسة المهاجرين إدارة المخرج الخبير الدكتور جورج وديع لعناصر العمل بطريقة متناغمة، أضافت الكثير لخبرات الممثلين الهواة على نحو خاص، وأبرزت الصورة بطريقة جميلة، كما استطاع المخرج من خلال توظيف التكنولوجيا والموسيقى التصويرية والإضاءة وإدارة الحركة على الخشبة بنجاح في نقل المتفرج إلى قلب الحدث. فانتزع الابتسامة والضحكة من قلب المعاناة التي تمر بها الشخصيات بكل ما فيها من بساطة وتناقض وتوتر وظلمة. فالمسرح بالنسبة للمخرج الدكتور جورج هو “التنوير الحقيقي في عالم الغابات الموحشة”، وهو “الشمعة التي تضيء غياهب الظلمات”.
في الختام: أود أن أثني على هذه الجهود المتميزة التي تقوم بها فرقة تياترو العرب الكندية، التي تضئ تلك الشمعة في ظلمة المشهد الثقافي الذي يحتاج المزيد والمزيد من الأنشطة والفعاليات التي يتعطش لها المجتمع العربي الكندي بكل مكوناته. وإنني أرجو باسم المنتدى العربي الكندي للحوار الثقافي لهذه الفرقة أن تصل إلى مزيد من الدعم بكافة مستوياته، وخاصة ما يتعلق بتوفير مقر دائم يمكنها من تحقيق رسالتها وأهدافها النبيلة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock