شلبكيات

عابر سبيل العدد 107 ص4

العبور بعنوان : مجرد سؤال !!

عابر سبيل لهذا اليوم هو الكاتب علي الشافعي من الأردن .
العبور بعنوان مجرد سؤال .
***
حوارات صاخبة ــ يا دام مجدكم ــ لا يكاد مجلس من مجالسنا يخلو منها هذه الايام, وفي اغلب الاحيان لا تنتهي الى توفق, او زحزحة عن المواقف, والمتحاورون على ثلاث فئات, لكل فئة رايها ووجهة نظرها, وللأمانة فكل فئة قد يكون معها حق اذا استمعنا الى حجتها بإمعان, نظرا لضبابية المشهد وعدم وضوح الرؤية, والظروف المحيطة بالقضية برمتها, والفئات هي : فئة المتشائمين , وفئة المتفائلين , وفئة المتشائلين, والحوار يدور حول سؤال واحد هو :هل انتصرنا فعلا في حربنا الاخيرة مع الدولة العبرية ؟ .. اما الفئة الاولى ــ يا أعزائي ــ فمقطبة الجبين عاقدة الحاجبين , وتنقسم الى قسمين : قسم متشائم بطبعه نتيجة لما مرت به الامة خلال قرن من الزمان من احباطات وهزائم متكررة ودسائس ومؤامرات , قائلين : لا لم ننتصر اما رأيتم القتلى والجرحى والابراج التي سويت بالأرض والمنازل التي دمرت على رؤوس ساكنيها , والعائلات التي شردت , والبنية التحتية التي خربت , والاقتحامات المستمرة للمسجد الاقصى الذي كان شرارة هذه الحرب وصاعق تفجيرها , وقسم يجادل على خلفية حزبية وايدلوجية فكرية , لا يريد ان تعترف بالنصر للخصوم في الفكر والمبدأ والموقف , حتى وان كانوا من ابناء وطنهم , حاملون همهم ومدافعون عن قضيتهم . والمتشائمون من كلا النوعين لهم رؤيتهم , وربما يجدون من يؤيدهم ويقول : معهم حق اذ لم يتغير شيء على ارض الواقع , واسرائيل لم تزل اسرائيل , وهي من اوقف الحرب من جانب واحد . اما الفئة الثانية قد علت وجوههم الفرحة والاستبشار , ويقولونها بملء الفم : نعم انتصرنا , وطبعا لهم مبرراتهم , فلأول مرة في تاريخ الصراع العربي مع الدولة العبرية يجبر ثلاثة ارباع الإسرائيليين على المبيت في الملاجئ احد عشر يوما , ويكون فك الحظر عنهم تحدده المقاومة , فهي من تقرر متى تسمح لهم بالتجوال , ولأول مرة تكون الغارة مقابل الغارة , وتثبت هشاشة الدفاعات الجوية في اعتراض صواريخ المقاومة التي طالت كل مدينة من مدن الوطن السليب , ولأول مرة يجبن العدو عن الدخول في معركة برية , فيروح ينتقم من الاطفال والنساء والبيوت , يصب عليهم جام حقده وصلفه وجنون الته , ولأول مرة تشل الحركة التجارية والصناعية والسياحية في اكثر دول المنطقة نشاطا وازدحاما وحركة , ولأول مرة تشلّ حركة المطارات وتتوقف نهائيا مدة الحرب , ثم وابل الصواريخ التي دكت كل مدن فلسطين المحتلة لدرجة جعلت الناطق الاعلامي باسم جيشهم المرعب سابقا (افخاي ادرعي ) يستشهد بالقران الكريم ويشكو المقاومين الى الله , لانهم لم يحفظوا وصية نبيهم اثناء الحرب : لا تقتلوا شيخا ولا طفلا ولا امرأة ولا تهدموا منزلا ولا تحرقوا شجرة . وهذه الفئة ايضا معها حق , وجهة نظرهم لها ما يبررها , فكل وسائل الاعلام في العالم اشادت بحسن ادارة المقاومة للمعركة , وهروب الدولة التي عرفت على مر عقود بجيشها الذي لا يقهر الى وقف القتال من جانبها , ليضع الكرة في ملعب المقاومة امام العالم ان لم تتوقف عن القتال . اما القسم الثالث ــ يا حلوين ــ فهم ما يمكن ان نطلق عليه لقب المتشائل , على راي (اميل حبيبي ) في روايته الشهيرة التي تحمل هذا الاسم , فهذا القسم مصدوم مما يشاهد ويسمع على وسائل التواصل وفي الفضائيات , احيانا يصدق رواية المقاومة الفضائيات المؤيدة فيتفاءل ويعتقد النصر , وان تابع الاخرى يعود بفكره الى تاريخ الصراع مع الدولة العبرية , والهزائم التي لحقت بأقوى الجيوش العربية في حروب متواصلة فيتشاءم , ثم يرى جنود الاحتلال والمستوطنين وهم يهرعون الى الملاجئ مرعوبين فينتشي ويقول : منصورة يا بلادي بإذن الله , اقتربت ساعة التحرير والعودة الى الديار . وهؤلاء ايضا معهم حق , فقد عشنا في دوامة شاب لها الوليد في بطن امه , حيث صورت لنا في وسائل الاعلام العربية والعالمية : ان لا قوة تقدر على دولة جيراننا , وان الافضل للعرب التطبيع معها ولو على حساب ارض فلسطين التاريخية برمتها . وحتى نكون موضوعيين في الاجابة على هذا التساؤل , تعالوا نناقش الامر بهدوء وموضوعية , ثم يجيب كل منا على هذا التساؤل من واقع الحال فأقول بعد الصلاة على النبي : عودوا بنا الى العام الخامس للهجرة المباركة حيث حوصر المسلمون في المدينة المنورة في غزوة الخندق من قبل عشر ة الاف فارس من اعتى فرسان العرب , لكنهم لم يستطيعوا دخولها بفعل الخندق الذي حفره المسلمون , فضربوا حصاراً عليها دام ثلاثة أسابيع ، أدى إلى تعرِّض المسلمين للأذى والمشقة والخوف والجوع . وانتهت غزوة الخندق بانسحاب الأحزاب , فارتدوا خائبين ولم يحققوا اهدافهم , واعتبرها الرسول عليه السلام نصرا مؤزرا على المشركين , وقال : «‏الآن نغزوهم، ولا يغزونا، نحن نسير إليهم» . فمن كان يري ان المسلمين انتصروا في الخندق اذا فأهل غزة انتصروا في معركة سيف القدس , فقد تعرضوا لنفس الظروف , وان كان عليه السلام ليس بينهم بجسده , لكنه معهم بسنته وهديه . وغزوة مؤته يوم ان شار ثلاثة الاف فارس مسلم فقابلوا مئة وعشرين الف فارس من الروم والعرب الغساسنة في عقر دارهم , ثم جرى فيها ما جرى حتى انسحب خالد رضي الله عنه بالجيش , فقابلهم اهل المدية بقولهم : ايها الفرار . فقال عليه السلام بل الكرار بإذن الله , واعتبر ذلك نصرا معنويا اكسبهم الجرأة على عدوهم في القادم من الجولات , اذ لم يعودوا يروا الفارس الروماني بالذي لا يقهر . فمن كان يري ان المسلمين انتصروا في هذه الغزوة اذن فالمقاومة انتصر بنزع هيبة الجيش العبري حتى من قلوب الاطفال . هذا من التاريخ الاسلامي , ثم هل قرأتم عن الثورة الجزائرية بلد المليوني شهيد , والتي احرقت فيها مدن بكاملها من قبل المحتل الفرنسي , ولا زال يحتفظ بجماجم اكثر من خمسين قائدا من قواد الثورة في متاحف باريس , ترى لو استسلمت المقاومة وقالت لا قبل اليوم لنا بفرنسا وجيشها , تري اكنتم ترون اليوم فيها من يتكلم العربية وينصر القضية . فمن يري ان الجزائر انتصرت ودحرت الاستعمار الفرنسي فلا بد ان يعتقد بانتصار المقاومة في فلسطين . جيلنا ــ ايها السادة ــ يذكر الحرب في فيتنام والغزو الامريكي لها ؛ ستة ملايين شخص قتلوا واحرقت مدنهم وقراهم لكنهم ثابروا كبدوا الامريكان خسائر ما نسوها في حياتهم , واجبروا الدولة العظمي على توقيع معاهدة سلام معهم والهروب بمن بقي من جنودهم بعد الاعتراف بالهزيمة , فمن كان يري ان فيتنام انتصرت على الامريكان ودحرتهم فان المقاومة انتصرت على المحتلين وارعبتهم .من يرى النسوة المقدسيات يصرخن في وجوه جيش الاحتلال دونكم غزة فاذهبوا اليها ان كنتم رجالا ومن يرى الاطفال وهم يدورون في الشوارع مرددين : (ناعمة وطرية القبة الحديدية ) يدرك اننا فعلا انتصرنا على عدوة في هذه الجولة من النضال الوطني لاستعادة الارض السليبة . هذه ــ يا دام سعدكم ــ شواهد من التاريخ الماضي والحاضر , نسوقها اما ناظريكم واثقين بأنفسنا غير مستهينين بقوتنا وقدرتنا , فمن يتخيل شعبا في حصار خانق من العدو والصديق ومن استخيارات تكشف دبيب النمل على الارض في الليلة المظلمة , ثم تؤدي هذا الاداء فلابد ان يفخر انه من امة فيها مثل هذه المقاومة . من يرى ان المقاومة وحدت الشعب الفلسطيني والشعوب العربية والاسلامية على قضية اعتبرها الكثير من الماضي , واعادت الزخم لها رغم تطبيع المطبعين وتخاذل المتخاذلين وتآمر المتآمرين , يدرك ان المقاومة انتصرت . لكن ذلك ــ ايها السادة الافاضل ــ يضعنا امام الاستحقاقات التالية : تري هل ضاعت فلسطين اصلا لو ان الجيوش العربية ادت ربع ما قامت به المقاومة ؟ وهل حصلت نكسة ال67 وكان قد مضى على استقلال البلاد العربية اكثر من عشرين سنة وبلا أي حصار ؟ الا يمكننا ان نصنع سلاحنا بأيدينا ؟ ترى لو فتحت الحدود امام الشعوب العربية هل بقيت اسرائيل الى يومنا متغطرسة معربدة ؟ الا ترون ان قوة جيوشنا تظهر فقط على شعوبهم ؟ هل صواريخ المقاومة هي العبثية ام سلوكيات زعمائنا ومواقفهم ومفاوضاتهم هي العبثية ؟ الفرق بين زعمائنا والزعماء الفيتناميين ــ ايها السادة الكرام ــ ان الساسة الفيتناميين كانوا يفاوضون وايدي ثوارهم على الزناد, بينما نحن نفاوض ونحن نخنق مقاومتنا وشعوبنا ونفاخر بذلك, املا ان يتكرم العدو بإعطائنا جزءا من حقوقنا, ناسين قول المثل ( لا يفل الحديد الا الحديد ).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock