شلبكيات

عابر سبيل – العدد 102 -ص4

العبور بعنوان : بيدس وخضره

عابر سبيل
عابر سبيل لهذا العدد هو السيد محمد الناطور
والعبور بعنوان : بيدس وخضرة .

“بيدس” كان متزوجاً من إمرأة تسمى”خضرة” وهي ذات بنية قوية..طويلة وجِهمة…مثل كل إخوانها..فبالرغم أنها تبدو كباخرة بجانب بيدس.. إلا أنها شختورة صغيرة بجانب بقية العلوج من إخوانها…لذلك لا يمكن لبيدس أن يخرج خارج الخط معها مطلقاً…ومثلما يقول الفلاحون : “ابتبطحوا وبتوكل على بطنه جاجة.. وبتحلف يمين إنه ما في حدا تحتها “. بينما كان بيدس رجل متوسط القامة.. تميل قامته إلى القِصَر أكثر مما تميل إلى الطول…وكان ذو بنية متناسبة مع طوله..ويمتلك من القوة البدنية ما يمتلكه في العادة الفلاحون لإنجاز أعمال الحقول والمزارع….فالحال مع خضرة.. سمح لبيدس أن يعفى تماماً من جميع الأعمال البيتية التي كان يقوم بها الرجال في العادة…من مثل : إطلع إنشر شوال هالبصل على ظهر الدار… إطلع نزِّل حزمة حطب عن شاشية الدار “القوس” …أو نزل تنكة زيت عن العكادية.”السقيفة”..إلى آخر ذلك من الأعمال التي تحتاج إلى قوة بدنية لأدائها… فكل هذه الأعمال الصعبة كانت خضرة تقوم بها دون الإستعانة بخدماته….خضرة مثلها مثل كل الفلاحات.. عندها “عُقدة” إنجاز الأعمال المنزلية من الصبح بدري…يعني قبل الضحى بدها تكون منتهية من الجلي والشطف والمسح والخبيز في الطابون ومحضرة الفطور.. وما إلى ذلك من أعمال يومية.. وتستعد لتحضير المواد اللازمة للغداء.. فإن شارفت الساعة التاسعة إلى العاشرة وهذه الأعمال غير منجزة.. تعتبر معيبة على ست البيت…التي تخشى أن تقوم إحداهن بزيارة صبحية “صباحية” مفاجئة..وتجد أنها لم تفعل شيئاً مما ذكر… وتقوم تفضحها في البلد.. وتقول عنها قليلة مروِّة بتنام لضحى العالي (الزيارات لا مواعيد لها عندهم…تتم طبة).نسوان الفلاحين لا يمرضن…يعني مرض ينَيِّم في الفراش..ومعظمهن إن أصابتها حالة مما نسميه مرض هذه الأيام.. تمرض وتشفى وما كنت تدرى عنها…فالرشح والإنفلونزا والقحة والمغص والإسهال وآلام المفاصل وما شاكلها..هذه لا تعتبر أمراض…فكانت الحُرمة تداوي نفسها بنفسها.. تغلي بعض الأعشاب من مثل البابونج أو الميرمية أو زعتر البلاط.. وتعبي رأسها بكاسة ولا إثنتين منه ..أو تدهن صدرها أو ركبها بزيت الزيتون..حسب الحالة….و ثاني يوم تقوم تركض مثل الغزالة…وطبعاً ما فيهن واحدة بتعرف إنه عندها ضغط أو سكري أو الإثنين معاً…خضرة.. كانت تُطبِب معظم الأمراض المعروفة بما فيها “عرق النسا”.. ولكنها كانت تخصص التهاب بنات الأذنين (اللوز) ..فرأس مالها لحسة زيت على كفيها …تقوم بفركهما ببعض حتى يدفأ الزيت ويغطي أصابعها…وبحركة “حنونة” لأصابع السبابة والوسطى من يديها.. تمر بها تحت فكي الولد المريض …فما هي إلا روحة ورجعة..حتى يكون الولد قد جحظت عيناه ..واسودَّ وجهه من الإختناق وهو مجزور بين فخذيها…ومن ثم كِمَّاد على ظهره تجعله يفز يركض على رجليه.. وهو يقحقح ويتفتف على الأرض.. إلى أن تهمص عليه بلعنة عليه وعلى أمه..و تعني بها..أن روح قُح وتِف بره وبعيد…في يوم من الأيام وقع الجمل..مرضت الطبيبة خضرة…صبحت من الصبح ساخنة..ودايخة..وحالتها مش ولا بُد…فعصبت رأسها…وقامت بالأعمال النسائية الخفيفة من جلي ومسح الغرفة وخبز العجينات بالطابون…وطلبت من بيدس أن يعلف الجاجات والحمامات ويعلِّق للحمارة “يحطلها علف”..وبعض الشغلات الأخرى على أساس إنه اليوم هيه “مش قادرة”…على ما يبدو أن بيدس ماشي عليه المثل القائل : ” إبنِك على ما ربيتيه..وجوزِك على ما ظريتيه (عودتيه) “…رفض أن يقوم بهذه الأعمال..لإنه من زمان ما اشتغل هيك شغل…وخلاص إعتبرها مش شغلته..وهذا الشغل شغل نسوان وعليهن القيام به حتى لو كانت الواحدة منهن بتنازع(تحتضر)..رفض بيدس وتَنَّح.. الجن كان راكبه في تلك الساعة..فأغلظت له خضرة في القول..وكان كرباجها السليط هو “لسانها”…فلم يُثنِها المرض عن إستخدامه…فجبدته بعضاً من الأمثال من مثل : “لو إنك شعير ما بِتنَهِق عليك الحمير”…”لا إنت للهدة ولا للسدة ولا لعثرات الزمان”..”من وين لك هالزلومية حتى ما ترد علي..؟!! “..” صار يتمظرط أبو الفسحم “…حتى فاض به الأمر من كثر ما سمع.. وراح لاخمها هذاك الكف.. وزاد عليه بأن “زقلها برجله”..وكادت تنقلب على ظهرها…!!!أدركت خضرة أن هناك خطب جَلَل…الرجل إنتفض…أكيد إنجن…ولازم عقله يرجع له…فنهضت..وطار المرض من رأسها..ونظرت إليه من أعلاه إلى أسفله..نظرة مليئة بالإستخفاف والإزدراء وقالت : وَلَك انتي بتمد إيدك عليًّ…؟؟ والله لأخليهم يعلقوا لك إياها برقبتك..!! وهاي إجرك.. رايحة تتطبش “تتكسر” وما رايح تقوم إلا زحف..بتزقلني بإجرك..؟!!!والله لتتعلق منها مثل التيس عند اللحام…بورجيك…!! وحملت حالها وخرجت من البيت ميممةً وجهها صوب بيت أهلها…
في دار أبوها.. كانت تتمنى أن ترى الثلاثة علوج موجودين…لكي ينسى بيدس إسم أمه وإسم أبوه وتاريخ ميلاده…ثلاث إخوة لها أقل ما يقال في أضعفهم أنه ثور.. ثور الجسم والعقل…
دخلت دار أبوها.. فوجدت أمها وأخوها الكبير…حظ بيدس عاطل..سيتم تكريمه من الثور الكبير فقط..وسيلاقي منه كل الإجلال والإحترام…دون سلام.. ودون كلام.. خضرة أجهشت في البكاء… خضرة تبكي…؟!! لا يذكر أنه رآها تبكي..!! هل هذا النوع من النساء يبكي أصلاً..؟!! كل هذا المشهد شاهده الثور الكبير…فثار الثور…وقال:
– وَلِك بديش أعرف شو اللي صار..بس قولي لي مين هو..؟!! وَلِك إحكي..؟؟
– كتلني يا خوي “ضربني”…كتلني نص إنصيص “كناية عن قصره”..
طبعا الثور لا يهمه ليش أخته أكلت القتلة.. ولا شو السبب..المهم إنه أخته أكلت قتلة.. ومن مين..؟ من نص نصيص..!!.
راح له على البيت ما وجده…وين بده يروح يعني..؟!! ما فيش غيرها…الأرض..بيدس يملك مارس من الأرض تحت البلد…يعني وإنتِ واقف في آخر الحارة ..ترى المارس…ألقى الثور نظرة على المارس تحت.. فشاف بيدس بيشتغل..نزل له..وصل إليه…رفع رأسه بيدس..شافه..تلفت يمنة ويسرة لعله يرى أحد المارة…
– يا ويلك إذا بتهرب.. حسبها بيدس..هريبة بإمكاني أن أهرب.. وما رايح يقدر يمسكني..بس رايح يقعدلي الليلة في الدار.. ويقتلني قتلة قدام الأولاد والجيران…فيا ولد شو بدك بهالبهدلة..فعلى القليلة خليك هون بالأرض بمرمغك في هالترابات وبتشتت (بِتنَفِض) حالك وبتقوم..ويا دار ما خشك شر…!!

فما أن أنهى بيدس حديثه مع نفسه.. كان الثور قد كبشه من أكتافه…ورفعه عن الأرض.. ومن ثم طَجُّه عليها..وبلش يِخَفِّش فوقه..ساعة يخفشه في ظهره وساعة يرفشه في بطنه..وبيدس يتدحدل “يتدحرج” على طول المارس…حتى إستوى على الآخر “اتنهنه”…
– والله لولا خايف أرمِّل هالقاروطة “أخته” وايَتِم هالأولاد.. ولا كان دفنتك في الترابات يا..نص النص…
قفل الثور عائداً… بينما كانت بعض الجماهير تتفرج على المشهد من أطراف البلد…كما يتفرج جمهور كرة القدم الجالسين في أعالي المدرجات…بنفسهم كانوا يقدروا ينزلوا ويخلصوا بيدس من براثن هالثور.. لكن هيهات أن يجرؤ أحدهم على النزول إلى المارس.. ويحاول إنتشال بيدس من هالورطة…
نهض بيدس.. بعدما بقي ممدداً لدقائق على الأرض…أخذ نفساً عشرات المرات ليستجمع قواه…كَتَّت ” نفض” ثيابه مماعلق بها من القش والتراب…وصعد عائداً إلى البلد قاصداً البيت…
عندما أصبح بمحاذاة الجمهور الذي بقي في أماكنه منتظراً بيدس.. ليعاينوا آثار القتلة على بدنه…وليعرفوا السبب..نطق أحدهم قائلا مع شوية شفقة وإستهجان : – شو ماله عليك هالثور..؟؟!!
بكل هدوء بيدس أجاب: – لا والله ما في شيء..بس نسيبي كان بِقِيس فيِّ المارس..بدو يعرف أكم بيدس بييجي…!! ” بيدس أصبح وحدة قياس بدلا من المتر”.
– قديش طلع..أكم بيدس..؟؟! قال ذاك الظريف متهكماً.. كان بيدس قد تعدى الشلة.. وإستمر في طريقه دون إجابة…إختصاراً للمشهد.. ولأنه لا يملك الإجابة الصحيحة من أصله.!!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock