العدد الجديد

عابر سبيل : العابر لهذا العدد هو الأستاذ محمد الحضري.

العدد 99- ص4

عابر سبيل
عابر سبيل لهذا العدد هو الإعلامي والكاتب محمد الحضري … ميسيساغا – اونتاريو
بعنوان : القناعه
***
بعد خطبة لأحد الناس العاديين لتحريك الجماهير، لا يجد قائلها من مستمعيه سوى الاستهجان و النقد اللاذع بدعوى ضعف حجته و عدم رجاحة عقله. في مكان آخر يخطب رجل ذو مكانة أو شهرة في المجتمع خطبة مطابقه تماماً للرجل الأول او ربما أضعف كثيراً و لكن هذه المره بدلاً من مقابلة خطبته بالرفض و الاستهجان توصف الخطبه بانها خطبة عصماء جامعه مانعه.
رجل آخر .. خرج لتوه من عند طبيب الأمراض الصدريه و الذي حذره من انه إذا لم يقلع عن التدخين بشراهة فأن حياته ستكون في خطر داهم. بعد مغادرة العيادة مباشرة يقرر الرجل بينه و بين نفسه انه يجب عليه ان يقلع فوراً عن التدخين حفاظاً على صحته و صحة أسرته . في طريق العودة للمنزل يمر الرجل على احد المقاهي و اذا بمجموعه من اصدقاءه جالسين يدخنون السجائر و الارجيلة ( الشيشه). عند دعوة اصدقاءة له بالجلوس تردد متذكراً كلام الطبيب و لكن عندما استنشق دخان الشيشه و السجائر وجد مغناطيسا يجذبه للجلوس و كأنه مسلوب الإراده. أحد الأصدقاء من الجالسين قدم له سيجاره في البدايه تردد و هو ينظر للتحذير المكتوب على علبة السجائر الذي يقول ان السجائر احد الأسباب الرئيسيه لمرض السرطان و لكن ما ان أخد صاحبه بعض الانفاس من السيجاره و اطلقها في وجهه استسلم صاحبنا تماماً ضاربًا بعرض الحائط كل تحذيرات الطبيب و وزارة الصحه.

كثيراً ما قال الناس ان اساس الاقتناع هو قوة الحجه فاذا لم يقتنع بكلامك الناس فعليك مراجعة حجتك. و لكن ماذا عن المثال الاول لماذا رفض الناس الخطبة الاولى و قبلوا الثانيه مع ان المضمون واحد و ربما كان أضعف في الخطبة الثانيه ؟ ما هو العامل المتغير في الحالتين ؟ الذي تغير هو مكانة القائل في المجتمع ، أما المقيل و حجته فهما متطابقان او هما أضعف كثيراً في حالة الرجل صاحب المكانه.
في الحالة الثانيه هل كان يجهل المدخن مضار التدخين ؟ العكس تماماً هو الصحيح فقد حذره الطبيب المتخصص و كذلك قرأ بنفسه التحذير المكتوب على علبة السجائر نفسها. اذاً هنا ايضاً الحجه موجوده ولكنها أصطدمت بحائط الشهوة و الرغبه. كذلك كان الحال مع الفلاسفة و المفكرين و العلماء والصالحين على مر العصور. لقد واجهتهم أعتى عواصف الرفض و الاستهجان ليس بسبب ضعف الحجه و لكن.. لأن دعوتهم اصطدمت بشهوات الناس و مصالحهم و مكاناتهم الإجتماعيه و لأن اغلب هؤلاء العظماء في رأينا الآن كانوا من الطبقات الدنيا او المتوسطه في أحسن الأحوال .
علينا اذاً .. إن اردنا الحكم على شيء ان نوجه جل تركيزنا و تفكيرنا تجاه ما يقال و ليس قائله و بريق مكانته السياسية او الدينية او الاجتماعيه و علينا كذلك ان ننسى مصالحنا و تحزباتنا الاثنية و الطائفية او السياسية لكي نستطيع الحكم على الأشياء بشكل سليم. أول خطوات الاقتناع هو الاستعداد و أخد القرار بفتح قلبك و عقلك بحياد تجاه الأفكار ، أما إذا ما أغلقتها سلفاً فلا امل في إقناعك مهما قويت الحجه.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock