سل سبيل


دراسة عن: الإنتخابات العامة التشريعية في كندا أكتوبر 2019 – خيار بين رؤيتين

كندا سبيل – ميسيساغا
مقدمة : تطرح هذه الدراسة موضوعا هاما للراغبين بمعرفة تاريخ العمل الانتخابي المرتيط تماما بالفكر السياسي الكندي ، وقد كتبت من قٍبل الباحث فهد صقر  وعلى عدة دفعات ، ونحن بكندا سبيل رأينا وبعد ان اكتملت ان ننقلها لحضراتكم راجين ان تفيدكم وتثري معارفكم . هذا وقد وضعنا في العدد الشهري 86 من ساخر سبيل قسما من الجزء الأول وأشرنا الى وجود المقال كاملا هنا في كندا سبيل . 

ملاحظة : كتبت هذه الدراسة قبيل الانتخابات الأخيرة بأيام قليلة .

المقال الاول :
يذهب الناخبون الكنديون في الحادي والعشرين من أكتوبر 2019 إلى صناديق الإقتراع لإنتخاب مجلس تشريعي ( برلمان) جديد وحكومة للسنوات الأربع المقبلة. يتنافس في هذة الإنتخابات 6 أحزاب مختلفة من حزب الشعب في أقصى اليمين إلى حزب الخضر في أقصى اليسار، ويسعى الحزب الليبرالي الحاكم ( وسط) بزعامة رئيس الوزراء جاستن ترودو الذي جاء إلى سدة الحكم سنة 2015 إلى إعادة الفوز بفترة ثانية، بينما يحاول حزب المحافظين المعارض ( يمين) بزعامة رئيسه الجديد أندرو تشير هزيمته والعودة إلى الحكم.
تقسم كندا إلى 338 دائرة إنتخابية وهو عدد مقاعد البرلمان و يحتاج الفائز الى 170 مقعد لتشكيل حكومة أغلبية، ووفقا للنظام الإنتخابي المتبع فإن الفائز بأكبر عدد من الأصوات في دائرته يحصل على المقعد، وبما أن النظام الحزبي تعددي حيث يتنافس في كل دائرة إنتخابية خمسة أو ستة مرشحين فإن حصول أحد الأحزاب على نسبة الأغلبية ( أي 50% +1) تعتبر شبه مستحيلة، ولذلك فإن الحزب الفائزبتشكيل الحكومة عادة ما يفوز بنسية 39%-40% من إجمالي الصوت الشعبي. وهذا هو نفس النظام الإنتخابي البريطاني ويسمى بالإنجليزية ( First past the post).
تاريخيا، تداول السلطة في كندا حزبين رئيسيين هما الأحرار والمحافظين وإن كان حزب الأحرار (الليبرالي) هو الأطول حكما والأوفر حظا دائما. ولكن، بعيدا عن تصنيفات اليمين واليسار التقليدية في السياسة فإن إنتخابات هذة السنة تضع الناخببين الكنديين أكثر من أي وقت مضى، أمام خيار واضح وجلي يتعلق بالهوية والمسارالسياسي العام الذي تستقبل به كندا العشرية الثالثة من القرن الواحد وعشرين. فلكل حزب من الحزبين الرئيسيين رؤيتة المختلفة التي تميزه بوضوح عن الآخر، ليس فقط بما يتعلق بالإقتصاد وإدارة شؤون الدولة ولكن أهم من ذلك، بخصوص الهوية الوطنية والنهج ومستقبل كندا. فالرؤية الأولى التي يحملها الليبراليون ترى في التنوع العرقي والثقافي التي تتميز به كندا مصدر قوة يجب الإحتفاء به وتشجيعه. وأنً إستقبال المزيد من المهاجرين الجدد واللاجئين بغض النظر عن اللون أوالدين أو العرق، يسهم في نمو الإقتصاد وزيادة فرص العمل وإثراء الحياة الإجتماعية في كندا. بينما يقف على الجانب الآخر، اليمين المحافظ الذي يؤمن – بلسان الحال لا بلسان المقال – بأن كندا دولة ذات أغلبية بيضاء إنجلوساكسونية ذات قيم غربية ويحبذ هجرة تكون أكثر تجانسا مع الغالبية البيضاء من ناحية الدين واللون والثقافة ( يفضل من أوروبا)، كما تدعو هذة الرؤية إلى ضرورة تبني المهاجرين الجدد للقيم الغربية دون تحفظ، والإندماج ( إقرأ الذوبان) في المجتمع الكندي. ولا ترى في التنوع العرقي والثقافي مصدر قوة بل تنظر بعين الريبة والشك إلى الآخرالمختلف، وخاصة المسلمين، وتعتبر الإسلام عدوا وخطرا يهدد المجتمع الكندي ذو القيم الغربية. وقد تعايش أصحاب هذة الرؤية مع قانون ثنائية اللغة والتعددية العرقية الذي سن في السبعينات من القرن الماضي وقانون تجريم الإسلاموفوبيا بصفتها جريمة كراهية مثلها مثل معاداة السامية ونبذ كل أنواع التعصب لدواعي الحصافة السياسية (على مبدأ مكرهُ أخاكَ لا بطل) ، علما بأن التعددية الثقافية والثنائية اللغوية هي الأقرب إلى وجدان الأغلبية الساحقة من الشعب الكندي والأكثر إنسجاما مع مزاجه العام .
نبذة تاريخية هامة
نشأ الصراع السياسي في كندا تاريخيا على أسس لغوية ثقافية بحتة، بين “الشعبين المؤسسين”، الفرنسي والإنجليزي. فبعد نزاع مرير وحرب إستعمارية طويلة في القرن الثامن عشر بين العدويين اللدودين بريطانيا وفرنسا، إنتهى بتوقيع معاهدة باريس (1783) التي أنهت حرب السبع سنوات حيث هزمت فيها بريطانيا كل من فرنسا وإسبانيا في المسرح الشمال أمريكي، فتنازلت فرنسا عن معظم مستعمراتها في شمال أمريكا ، أو ما كان يسمى ب “فرنسا الجديدة” ( كوبيك) لبريطانيا، التي قامت بضمها إلى مستعمرتها في أمريكا الشمالية ، وأعيد تسميتها بمستعمرة كندا The Dominion of Canada ولكن وفقا لمعاهدة باريس هذة، فقد وافقت بريطانيا على السماح لسكان المستعمرة الفرنسية السابقة بالإحتفاظ بلغتهم الفرنسية وديانتهم الكاثوليكية كشرط لتنازل فرنسا عنها، فإحتفظ السكان في مقاطعة كوبيك بلغتهم الفرنسية وكنيستهم الكاثوليكية على مر العصور ولكن بطبيعة الحال، توقفت الهجرة الجديدة من فرنسا، وإنقطعت حبال التواصل مع الوطن الأم، ولهذا فإن جل سكان كندا الناطقين باللغة الفرنسية اليوم هم أصلا من سلالة المهاجرين الفرنسيين الأوائل الذين إستوطنوا كندا في القرنين السابع عشر والثامن عشر.
سياسيا وإجتماعيا، شكلت مكانة الثقافة الفرنسية ودور كوبيك أسس الصراع السياسي في كندا منذ تأسيس الكونفدرالية الكندية عام 1867. وقد كان لهذه القضية أثرها الواضح على عملية النمو والتطور الإجتماعي والسياسي لكندا، وصولا إلى نضوج الدولة الكندية المستقلة بعد الحرب العالمية الثانية. أفضى هذا الصراع في نهاية المطاف إلى مقاربات وتنازلات دستورية وهيكلية ساهمت في تشكل الهوية الوطنية الكندية ( The Canadian Identity) كما هي عليه اليوم ووضع الأطر العامة لمستقبلها لسنوات طويلة قادمة.
الثورة الصامتة
مر الصراع الفرنسي- الإنجليزي في كندا بعدة مراحل تاريخية، وصولا إلى ما سمي في أول الستينات من القرن العشرين في كوبيك بالثورة الصامتة (The Quite Revolution) وهو مصطلح يشير إلى حقبة تاريخية مهمة ونقطة تحول رئيسية في التطور السياسي لكندا وكوبيك تحديدا. بدأت الثورة الصامتة سنة 1960 وأحدثت تغيرات جوهرية على شكل مخاض إجتماعي- سياسي في بنية المجتمع الفرنسي في كوبيك وأنحاء كندا. أخذت هذة الثورة طابع التمرد السلمي الثقافي، قاده المثقفون الفرنسيون وكانت السمة البارزة لهذة الثورة النزوع المتسارع نحو العلمانية السياسية وتقليص دور الكنيسة الكاثوليكية في الحياة العامة، والأهم من كل ذلك، أنها شهدت بداية نشوء الإستقطاب السياسي الحاد الذي تشهده كوبيك اليوم بين جناحين رئيسيين أحدهما إنفصالي والآخر فيدرالي.
إنتهى هذا الإستقطاب أو بمعنى أدق، إستقر لصالح الجناح الفيدرالي مع بقاء الجناح الإنفصالي كتيار قوي داخل كوبيك إستطاع أن يفوز في الإنتخابات المحلية عدة مرات ويشكل حكومات محلية في كوبيك، وشكل تهديدا وجوديا للدولة الكندية مرتين، في إستفتائين على الإنفصال، الأول عام 1980 والثاني عام 1995 ( كانت النتيجة في كلاهما لصالح الفدراليين بنسب 59.56% و 50.58%، على التوالي). قاد الجناح الفيدرالي للثورة الصامتة مجموعة من المثقفين الفرنسيين كان من أبرزهم الزعيم العمالي جان مارشا Jean Marchand وجيرارد بيليتيه Gérard Pelletier و بيار ترودو Pierre Trudeau الذي أصبح وزيرا للعدل ثم رئيسا للوزراء لاحقا. عرف هذا الثلاثي في الأدبيات السياسية الكندية بالحكماء الثلاثة The three wise men of Quebec في العام 1965 قام رئيس الوزراء الليبرالي آنذاك ليستر بيرسون Lester Pearson بدعوة حكماء كوبيك الثلاثة للإنخراط بالعمل السياسي على المستوى الحكومي الفدرالي، في محاولة منه لإعطاء الفرنسيين صوتا أكبر في أتاواة ولتقوية الجناح الفدرالي في كوبيك. وقد شكل هذا الإنخراط منعطفا تاريخيا هاما في التاريخ السياسي لكندا والعلاقات بين االثقافتين الفرنسية والإنجليزية. فقد شاءت الظروف أن يستقيل بيرسون في العام 1968 ويخلفه في رئاسة الحزب الليبرالي ورئاسة الحكومة أحد الحكماء الثلاث وزير العدل آنذاك بيار ترودو، الذي حكم كندا من سنة 1968- 1984 بإستثناء فترة إنقطاع دامت 9 أشهر في العام 1979 عندما أطاح به المحافظون بقيادة جو كلارك في حكومة أقلية ما لبثت أن خسرت ثقة البرلمان ليعود بيار ترودو ثانية لرئاسة حكومة أغلبية ليبرالية في إنتخابات فبراير 1980. لُقب بيار ترودو عن إستحقاق بالملك-الفيلسوف ( The philosopher-king) لثقافته الواسعة وذكائه وتعليمه العالي. وقد إعتبره البعض عن حق – ومنهم كاتب هذا المقال – الأب الروحي لكندا الحديثة.
قام حزب الأحرار الليبرالي بزعامة رئيس الوزراء بيار ترودو على مدى 16 عاما بسلسة من الإصلاحات التشريعية والدستورية الجوهرية كان لها آثارا بعيدة المدى وأصداءا واسعة جدا على مجريات الأمور السياسية في كندا، وغيرت من قواعد اللعبة إلى غير رجعة في العلاقات بين كوبيك والحكومة الفدرالية من جهة ، وبين كوبيك وبقية كندا من جهة أخرى. أرست هذة التشريعات الجديدة أسس الدولة الكندية المدنية الحديثة ، وجعلت من كندا رسميا دولة ثنائية اللغة، متعددة الثقافات، ومتسامحة مع الجميع ووسعت من الحريات الشخصية وفتحت باب الهجرة دون النظر للون أو العرق. فقد نص قانون اللغات الرسمية على أن اللغة الفرنسية لغة رسمية على قدم المساوة مع اللغة الإنجليزية ليس في كوبيك فحسب، بل في كل أنحاء كندا. وترتب على ذلك إستحقاقات هامة منها على سبيل المثال لا الحصر، أنه لم يعد بالإمكان – عُرفا- أن يصل أي سياسي كندي لكرسي رئاسة الوزراء إذا لم يكن متحدثا للغة الفرنسية بطلاقة، وأصبحت معظم الوظائف في القطاعين الحكومي وشبه الحكومي تتطلب الإلمام التام باللغتين الفرنسية والإنجليزية. بالإضافة إلى ذلك، فقد تم تضمين بنود حماية اللغة الفرنسية في ميثاق الحقوق والحريات The Canadian Charter of Rights & freedoms والدستور، و يعود الفضل الأكبرلرئيس الوزراء بيار ترودو في إعادة الدستور الكندي من بريطانيا عام 1982 حيث أنهى بذلك آخرمظهر من مظاهر التبعية لبريطانيا، و أصبح بإمكان كندا تعديل دساتيرها وقوانينها دون الرجوع إلى محكمة ويستمنستر في لندن، وبذلك أصبحت المحكمة الكندية العليا The Supreme Court of Canada هي أعلى سلطة قضائية في البلاد.
نظام حزبي تعددي يهيمن عليه حزبين
تداولَ السلطة في كندا منذ تأسيسها حزبين هما حزب الأحرار ( Liberal Party) وحزب المحافظين التقدميين (Party Progressive Conservatives) وقد تشكل الأخير من إتحاد حزبين، كما يدل الإسم. ويتميز حزب الأحرار بكون أكثرية أعضاؤه من الفرنسيين أو المتعاطفين مع كوبيك وهو محسوب على الناطقين بالفرنسية. ويعتبر حزب الأقليات العرقية والقادمين الجدد بإمتياز، ويميل أكثر نحو يسار الوسط. أما حزب المحافظين فهو محسوب على الناطقين بالإنجليزية ويحتل يمين الطيف السياسي، وأغلبية أعضاؤه من أبناء وأحفاد الموالين لبريطانيا والتاج البريطاني ( The Loyalists)، الذين هربوا مع البريطانيين عندما قامت الثورة الأمريكية وحرب الإستقلال في العام 1776 حيث هرب مئات الآلاف من هؤلاء الموالين الذين كانوا يخدمون في الإدارة البريطانية إلى مستعمرات بريطانيا في الشمال وإستقروا فيها، وينحدر منهم الآن الكثير من سكان كندا الناطقين بالإنجليزية الذين حافظوا على إرثهم الإنجليزي وولاءهم للإمبراطورية البريطانية. يتركز أكثرية أنصار هذا الحزب في أونتاريو( خاصة الريف وخارج المدن الكبرى) وفي نوفا سكوتشيا، وغرب كندا خاصة في المقاطعتين الغنيتين بالنفط ألبرتا وساسكاتشوان.
بالإضافة للحزبين الرئيسيين هناك حزب ثالث وهو الديمقراطيين الجدد وهو حزب اليسار الكندي المدعوم من الطبقات العاملة وإتحادات العمال والمزارعين وأصحال المهن وللحزب قاعدة إنتخابية لا بأس بها في المدن الكبرى وفي الجامعات، وتقدر قاعدته التقليدية بحوالي 20% من أصوات الناخبين تقريبا. لم ينجح حزب الديمقراطيين الجدد في الوصول إلى السلطة على المستوى الفيدرالي ولا مرة، ولكنه نجح محليا في تشكيل عدة حكومات في عدة مقاطعات كندية، منها أنتاريو ونوفاسكوتشيا وبريتش كولومبيا وألبرتا وهو منافس قوي على المستوى المحلي. وأيضا لعب دور بيضة القبان في عدة حكومات أقلية على المستوى الفيدرالي كان أهمها عامي 1972-1974 عندما دعم حكومة أقلية ليبرالية برئاسة بيار ترودو وكان له الفضل الأكبر في إقرار قانون التأمين الصحي المجاني للجميع ( Universal Medicare) الذي يتمتع به المواطنون الكنديون كثمن لدعم حزب الأحرار من خارج الحكومة.
إنتخابات 2019 ماهي القضايا الرئيسية
قدم السيد جاستن ترودو (Justin Trudeau) ، وهو الإبن الأكبر لرئيس الوزراء الأسبق بيار ترودو(1919-2001 Pierre Trudeau ) نفسه كمدافعا عن الطبقة الوسطى وجعل من توسيع وتحسين ظروف الطبقة الوسطى رسالة و هدفا رئسيا على سلم أولوياته. وقد وعد بزيادة الإنفاق على البنية التحتية وتحسين المواصلات العامة، والمحافظة على البيئة و إستقبال المزيد من المهاجرين واللاجئين لأسباب إنسانية ( خاصة السوريين)، ووفى بأكثر وعوده، فقد نجح فعلا في تحسين الظروف المعيشية للطبقات الأقل حظا في المجتمع الكندي وزاد من دخول الطبقة الوسطى، فبعد أن كانت المعونات الإجتماعية للعائلات تدفع للغني والفقير على حد سواء، قطعها عن الأغنياء وزاد مخصصات الفقراء أو الأقل دخلا ونجح نتيجة لذلك بإخراج مليون طفل من دائرة الفقر.
شهد الإقتصاد الكندي في عهده خلال فترة الأربع سنوات الماضية عملية توسع و نمو غير مسبوقة وتراجعت نسبة البطالة إلى أدنى مستوى لها منذ أربعين عاما، وتم خلق مليون فرصة عمل جديدة منذ تولي حزب الأحرار السلطة في العام 2015، ولا يزال الإقتصاد الكندي بصحة جيدة و ينمو بوتيرة جيدة. وهذا يجعل من الصعب جدا على المعارضة خوض الإنتخابات ضد الحكومة على أسس إقتصادية. أما على المستوى الدولي، فقد عادت كندا بقوة للعب دورها في العلاقات الدولية وإستطاع رئيس الوزراء جاستن ترودو من تحسين صورة كندا في العالم بشكل إيجابي غير مسبوقة ومثل كندا خير تمثيل في العالم وهو يتمتع بشبكة علاقات حميمية جيدة مع زعماء عالميين مرموقين كالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ومع رئيسة وزراء نيوزيلندا جاسيندا آردرن والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل. ويتم الإحتفاء به أينما حل كأحد المشاهيرفهو يتمتع بشعبية كبيرة خارج كندا خاصة بين فئة الشباب. بإستثناء دونالد ترامب فإن العلاقات معه ليست على ما يرام ولكن هذة تحسب له وليس عليه، بكل تأكيد.
القضايا الرئيسية في الإنتخابات ومعضلة حزب المحافظين
من السابق لأوانه التنبؤ ماذا ستكون القضية أو مجموعة القضايا التي ستهيمن على انتخابات 2019 وعلى أولويات الناخبين وما الذي سيحدد أصواتهم عند الذهاب إلى صناديق الإقتراع، ولكن في نظرة سريعة على البرامج الإنتخابية لكلا الحزبين الرئيسيين نجد أن كل حزب يسعى للدفع بأجندته وبيع وعوده للناخبين ومحاولة جر الخصم لملعبه. يحاول الأحرار بزعامة السيد ترودو إلى جعل البيئة والتغير المناخي، بالإضافة إلى قضية زواج المثليين وحقوق الشواذ والمتغيرين جنسيا ( LGBT Community) و حقوق الأقليات والتنوع الثقافي وحرية الإجهاض، – وهي نقاط الضعف لدى المحافظين- قضايا رئيسية في هذة الإنتخابات وجر اليمين المحافظ إلى موقف الدفاع حيث تعتبر هذة كلها قضايا خلافية، وتشكل إحراجا لرئيس حزب المحافظين أندرو تشير ( Andrew Scheer) الذي يفضل أن لا تطرح لسببين: أولا أن قضايا مثل الإجهاض و زواج المثليين والعلاقات المثلية قد حسمت في معظم دول الغرب ومنها كندا، لجهة إعتبارها من الحقوق المدنية والإعتراف بها كحريات شخصية تضمنها القوانين، وقبولها كأمر عادي في المجتمعات الغربية، وعدم التمييز ضد أحد بناءا على ميوله الجنسية، أو عرقه أو معتقده . ثانيا، القاعدة الإنتخابية الداعمة للسيد أندرو تشير في أغلبيتها الساحقة ضد زواج المثليين وضد الإجهاض وضد المسلمين أيضا، ولكن في الوقت الذي يستطيع السيد تيشر –مكرها- إدانة الإسلاموفوبيا كجريمة كراهية ، فإنه لا يستطيع أن يعلن تأييده أو موافقته على زواج المثليين لأن ذلك سيغضب مؤيديه ، وفي نفس الوقت لا يستطيع إدانتها كسلوك غير طبيعي لأن هذا سيألب الرأي العام ضده، فهو بهذة القضية بالذات كبالع الموس.
التيار اليميني المسيحي المحافظ هو الجناح القوي الذي بات يسيطر على حزب المحافظين الكندي بعد زلزال الهزيمة الساحقة الماحقة في إنتخابات 1993 للتيار المعتدل الذي كان يمثله رئيس الوزراء الأسبق بريان مولروني (The Progressive Conservatives) وهذا بحث مفصل آخر لا يتسع المجال لشرحه هنا. هذا التيار يعارض بشدة زواج المثليين ويؤكدون على أن الزواج هو مؤسسة عائلية مقدسة تقوم بين رجل وإمرأة، وهو ضد الإجهاض ولذلك يطلق عليهم إصطلاحا “المحافظون الإجتماعيون” ( The social Conservatives و أليهم ينتمي السيد أندرو تشير وسلفه وأستاذه رئيس الوزراء السابق ستيفن هاربر، ومن سخريات القدر أن يكون هذا الموقف منسجما ومتماهيا مع موقف الإسلام مع أن المحافظون الإجتماعيون يعادون الإسلام بنفس عدائهم للمثليين.
***
المقال الثاني
ذكرت في مقالي السابق  بأن الإنتخابات التشريعية الكندية المقررة في 21 أكتوبر 2019 هي أكثر من أي وقت مضى خيار بين رؤيتين مختلفتين بخصوص حاضر و مستقبل كندا. والسبب في ذلك يعود إلى أن حزب المحافظين اليميني، المنافس الرئيسي على السلطة للحزب الليبرالي بزعامة جاستن ترودو Justin Trudeau قد خضع لعملية إختطاف أو إستحواذ (hostile takeover) من اليمين المتشدد منذ العام 2003، حيث بدأنا نشهد عملية تحول جوهري في خطابه و أساليبه، وأدواته السياسية، وفي فلسفته بشكل عام ، وبالتحديد موقفه من مجموعة من القضايا الوطنية الحيوية منها الهجرة والجنسية واللجوء، الموازنة العامة والضرائب، التأمين الصحي والتعليم ، البيئة والتغير المناخي، التعددية العرقية والأقليات وغيرها من الأمور. هذا التحول نحو اليمين المتشدد لا ينسجم مع المزاج الكندي العام الذي يؤمن به أيضا اليمين المعتدل من حزب المحافظين التقدميين السابق (The Progressive Conservatives Party)
لقد حمل حزب “المحافظين التقدميين” راية اليمين الكندي منذ العام 1867، فهو حزب عريق أسسه المستعمرون الأوائل ، وإليه كان ينتمي السير جون ماكدونالد أول رئيس وزراء لكندا بعد قيام الكونفيدرالية. وقد شكل هذا الحزب ندا سياسيا قويا للحزب الليبرالي وتداول معه السلطة على المستوى الفيدرالي، تارة في الحكم وتارة في المعارضة ، وإن كان الحزب الليبرالي (وسط) هو الأطول حكما والأنجح في الإحتفاظ بالسلطة . ولكن يؤخذ على حزب “المحافظين التقدميين” أنه وفر بيئة صديقة – سواءا عن قصد أو غير قصد- لليمين المسيحي المتطرف والشعبويين من العنصريين البيض الذين لم يجدوا متنفسا آخرا للتعبيرالسياسي إلا من خلاله، فهم بطبيعة الحال، غير مرحب بهم في أحزاب اليسار والوسط و لا تنسجم أفكارهم وتوجهاتهم مع تلك الأحزاب أصلا، ودعني أضيف، ولا مع السواد الأعظم من الكنديين. وعلى الرغم من أن هذة الأقلية داخل التيار المحافظ إحتلت جزء صغيرمن الطيف السياسي في فترة من الفترات، (يمين اليمين)، فإن تغاضي حزب المحافظين التقدميين عنها لدواعي إنتخابية كان له آثارا عكسية لاحقا، وهي سبب الأزمة الحادة التي تعصف بتيار اليمن المحافظ في كندا الآن.
سُؤل السيد جو كلارك Joe Clark رئيس حزب المحافظين التقدميين من 1976-1983 ورئيس وزراء كندا الأسبق، لماذا تركت حزب المحافظين ؟ فأجاب أنا لم أترك الحزب، الحزب هو الذي تركني. هذا الجواب يلخص الحكاية بدقة. أما السيد بريان مولروني Brian Mulroney رئيس وزراء كندا من عام 1984-1993 وعراب المحافظين الكنديين في القرن العشرين، فقد ذهب إلى أبعد من ذلك، ففي إنتخابات 2015 أعلنها صراحة أنه يدعم فوز مرشح الحزب الليبرالي المعارض آنذاك جاستن ترودو Justin Trudeau للفوز بمنصب رئيس الوزراء، ضد رئيس الوزراء المحافظ ستيفن هاربر Stephen Harper ، في سابقة لم تحدث من قبل. أما خليفة السيد مولروني في رئاسة حزب المحافظين التقدميين، رئيسة الوزراء السابقة ، وأول إمرأة تتبوأ هذا المنصب السيدة كيم كامبل Kim Campbell فعندما سئلت لماذا لم تعد ناشطة في حزب المحافظين أجابت بإقتابس مقولة السيد جو كلارك نفسها.
أزمة اليمين الكندي الآن سببها الجوهري أن جناحا هامشيا متشددا لا يمثل مزاج الأغلبية في الجناح المحافظ التقليدي في كندا سيطر على حزب المحافظين في غفلة من التاريخ وجر الحزب معه إلى يمين اليمين، وأصبح قادة الجناح المعتدل التقليدي من المحافظين سواءا من الغرب أومن مقاطعات أونتاريو وشرق كندا ( مقاطعات الأطلسي الأربع) الذين قادوا الحزب طوال فترة تاريخه صف ثاني داخل الحزب، ويجلسون في المقاعد الخلفية. هذا الجناح الهامشي ” المتطرف” يتكون بشكل رئيسي من عناصر يمينية مسيحية ومحافظين إجتماعيين لديهم أجندات مخفية غالبيتهم قادمين من الغرب الكندي، (Social conservatives & populists) شاءت الأقدار والظروف المؤسفة أن يتصدروا تيار اليمين المحافظ ويتحكموا بأجندته منذ إنتخابات 1993 الكارثية.
إذا كان هناك من درس تعلمناه من الديمقراطية الليبرالية الغربية فهو أن كل شيء ممكن الحدوث في صناديق الإقتراع، وأكبر مثال على ذلك، إنتخاب دونالد ترامب رئيسا لأمريكا عام 2016 عكس كل التوقعات. المعادل لظاهرة دونالد ترامب في أمريكا حدثت في كندا في إنتخابات سنة 1993 بإنتخاب حزب الإصلاح Reform)) ليمثل اليمين بدلا من حزب المحافظين التقدميين، نتيجة لإرهاصات سياسية معينة و خطأ قاتل لا يغتفر سآتي على ذكره بالتفصيل لاحقا.
المحافظين التقدميين تحت زعامة بريان مولروني 1983-1993
في سنة 1983 وبعد فوزه برئاسة حزب المحافظين إستطاع السياسي المخضرم إبن مقاطعة كوبيك، ذو الأصول الإيرلندية، السيد بريان مولروني أن يوحد الأجنحة االمتصارعة داخل الحزب The Progressive Conservative Party of Canada, (PC) وأن يشكل تحالفا يمينيا واسعا ضم القوميين الفرنسيين في كوبيك والمحافظين التقليدين المعتدلين في أونتاريو بالإضافة للمسيحيين المحافظين من الغرب الكندي ليخوض الإنتخابات اللاحقة في سيبتمبر 1984 ويفوز بأكبر حكومة أغلبية في تاريخ كندا، وينهي بذلك حوالي 20 سنة من حكم حزب الأحرار وليعاود الكرة في إنتخابات 1988 ويحقق بذلك سابقة أخرى ويصبح أول رئيس وزراء محافظ في القرن العشرين يفوز بحكومتي أغلبية متتاليتين.
نجح السيد مولروني ببناء تحالفا وطنيا معتدلا من مختلف الأطياف وجعل من حزب المحافظين التقدميين “خيمة كبرى” لقطاع عريض من النشطاء السياسيين من مختلف الإثنيات العرقية التي تشكل المجتمع الكندي، سمي بالتحالف الأزرق العظيم ( The grand blue Coalition) وقد تماهى حزب المحافظين مع حزب الأحرار بمواقفه من القضايا الوطنية الرئيسية كالتعددية العرقية وثنائية اللغة والوحدة الوطنية ، وفي كثير من القضايا الأخرى كان موقف الحزب أقرب إلى الوسط في الطيف السياسي منه إلى اليمين، ولم يختلف كثيرا عن الحزب الليبرالي في توجهاته العريضة بشأن هذه القضايا. ويمكننا القول بأن السيد بريان مولروني كان البراجماتي الأكبربلا منازع في التاريخ الكندي، وإليه يعود الفضل في كسب ود القوميين الفرنسيين في كوبيك وإقناعهم بالتخلي عن السعي نحو الإنفصال مقابل وعد بإجراء تعديلات دستورية تبدد مخاوفهم على مستقبل اللغة الفرنسية والفرنسيين في كندا، ونجح في ذلك نجاحا باهرا خلال فترة حكمه الأولى 1984-1988.
أدرك السيد مولروني متأخرا أن إرضاء كل الناس كل الوقت غاية لا تدرك، خاصة عندما بدأ تحالفه “التحالف الأزرق العظيم” بالتصدع في العام 1988، حيث لم ترق تعديلاته الدستورية المقترحة لحلفاءه من القوميين الفرنسيين الذين شعروا أنها غير كافية، فأنسحب ( إنشق) خمسة أعضاء برلمان من المحافظين التقدميين بقيادة وزير البيئة آنذاك لوسيان بوشار Lucien Bouchard وإنضم إليهم عضوين آخرين من الحزب الليبرالي وشكلوا كتلة برلمانية سميت Bloc Quebecois كان الهدف المعلن منها الترويج لإنفصال كوبيك من داخل البرلمان، وأعلنوا أنهم سيشكلون حزبا بنفس الإسم ليخوض الإنتخابات الفدرالية القادمة في دوائر مقاطعة كوبيك فقط، وأن الحزب سيبقى في البرلمان الفيدرالي لحين تحقيق تلك الغاية ( أي إنفصال كوبيك).
وفي الجهة المقابلة، شعر المحافظون المسيحيون في الغرب بالخيبة من بعض السياسات التي إنتهجها السيد مولروني فيما يتعلق بالتعديلات الدستورية التي إقترحها لكوبيك ورأوا فيها تنازلات كبيرة على حسابهم وحساب المكون الإنجلوساكسوني البروتستانتي بشكل عام، بالإضافة لعدم تلبية الحكومات المتعاقبة مطالباتهم المزمنة في إجراء إصلاحات على مجلس العموم الكندي لإعطاء الغرب تمثيل أكبر في أوتاوة ( مثل مجلس أعيان منتخب) و إستياءهم من سلسة من السياسات الضريبية لحكومة مولروني وعدة قضايا أخرى لا مجال لذكرها . ومن هنا نشات بذور حركة إحتجاجية في الغرب الكندي قادها شخصيات محافظة يمينية ديماغوجية عزفت على وتر العنصرية والشوفينية والأصولية الدينية والفرانكوفوبيا ، ورفعت شعار ” الغرب يريد المشاركة” “The West wants in”
وبما أن توزيع المقاعد في البرلمان الكندي يتبع عدد السكان، فإن مقاطعتي أونتاريو وكوبيك، ما يسمى ( سنترال كندا) وحدهما تشكلان ثلثي عدد سكان كندا تقريبا فهما مركز الثقل، وإذا أضفنا اليهما مقاطعات الأطلسي الأربع في شرق كندا، فهذا يجعل من المقاطعات الغربية بلا وزن إنتخابي حقيقي مؤثر، وهذة النقطة بالتحديد كانت مصدر الإزعاج الأساسي لدعاة الإصلاح و إحدى شكاوي الغربيين المزمنة ضد النظام الفدرالي القائم في أتاوة، فهم من جهة يرون أنفسهم مقاطعات غنية بالنفط والثروات الطبيعية التي تدعم إقتصاد كل كندا وتساهم في رفع مستوى المعيشة للجميع ولكن تمثيلهم السياسي لا يتناسب مع حجم “مساهماتهم الإقتصادية” في كندا، وأن مركز القرار هو في سنترال كندا منذ الأزل وسيبقى، أو هكذا يظنون.
أن حركات الإحتجاج هذة عادة ما تشكل إزعاج للأحزاب الرئيسية والدولة العميقة ، على مبدأ العيار اللي ما يصيب يدوش، ولكنها لا تشكل خطرا داهما لأنها عادة ما تنحصر في أقلية، وتكون عبارة عن ظاهرة مؤقتة أو فقاعات سياسية لا تلبث أن تتلاشى، والأهم من ذلك أن العملية الديمقراطية والنظام الإنتخابي الحر بما يحويه من شفافية و آليات تلقائية يتكفل بتحجيمها في نهاية المطاف… لم يكن حزب الإصلاح الكندي (The Reform Party ) الذي خرج من رحم اليمين المحافظ ليشذ عن هذة القاعدة، فهو من المفروض أنه لا يعدو كونه فقاعة سياسية أو سحابة صيف تظهر ثم تتلاشى ويتجاوزها الزمن كما تجاوز غيرها من الحركات الشعبوية ( Populists movements) ، سواءا في كندا أو في دول ديمقراطية غربية أخرى.
حزب الإصلاح The Reform Party
تأسس هذا الحزب في العام 1987 في الغرب الكندي كحركة إحتجاج على ما رأوه إستئثار سنترال كندا ( كوبيك و أونتاريو) بالقرار السياسي على حساب الغرب وتهميش المقاطعات الغربية الغنية بالنفط والثروات الطبيعية ( ألبرتا وساسكاتشوان وبريتش كولومبيا)، وأيضا نتيجة للإستياء من قيام حكومة مولروني بفرض ضريبة البضائع والخدمات ال Goods & Services Tax ( GST) وسلسلة من السياسات التي التي فرضتها الحكومات المتعاقبة التي أضرت جدا بإقتصاد الغرب، لا سيما مقاطعة ألبرتا النفطية، ونشأ هناك شعور متنامي لدى اليمين المحافظ في غرب كندا أن حكومة مولروني قد تخلت عنهم إرضاءا لأونتاريو وللفرنسيين في كوبيك، وأن هذة الحكومة المحافظة ليست بأفضل من سابقاتها من الحكومات الليبرالية.
تشكل حزب الإصلاح بشكل رئيسي من أعضاء ونشطاء المحافظين الإجتماعيين ( Social Conservatives) واليمين المسيحي البروتستانتي بزعامة الرئيس الشعبوي برستون ماننج Preston Manning وخاض الحزب إنتخابات 1988 ولم يفوز بأي مقعد، ولكنه بالرغم من ذلك ، سجل ظاهرة إنتخابية مثيرة للإهتمام إذ جاء ترتيبه الثاني بعد المحافظين التقدميين في معظم الدوائر التي خاضها في الغرب، وحصل على 2.5% من مجمل الصوت الشعبي، أي أنه كان البديل الطبيعي والخيار الثاني للمحافظين في الغرب.
في العام 1993 إستقال السيد بريان مولروني وخلفه في رئاسة الحزب ورئاسة الوزراء وزيرة الدفاع آنذاك السيدة كيم كامبل، التي وضعت فريقا جديدا لإدارة حملتها الإنتخابية تبين لاحقا -بعد فوات الأوان- أن هذا الفريق مكون من صبيان وهواة في السياسة ، عديمي الخبرة في إدارة الحملات الإنتخابية والتنظيم، مجموعة ولدًة (بكسر اللام وتشديد الدال). لم يكن هذا الفريق على قدر المسؤولية أو مدركا لحجم المهام والجهود التي يجب بذلها لإقناع الناخبين بالتصويت لحكومة محافظة للمرة الثالثة على التوالي وأن يضعوا برنامج إنتخابي وأجندة مميزة، خاصة وأن بريان مولروني خرج من السلطة بعد فترتين من الحكم إستنفذ فيهما كل النوايا الحسنة لدى الناخبين تجاهه وتجاه حزبه وقد خسر شعبيته بشكل كبير.
إنتخابات 1993 الطامة الكبرى
شكلت الإنتخابات العامة التشريعية 1993 نقطة تحول تاريخية ومفصلية هامة في الحياة السياسية الكندية كان لها مابعدها، حيث مني حزب “المحافظين التقدميين” بقيادة رئيسة الوزراء كيم كامبل بهزيمة ساحقة ماحقة أعتبرت أسوأ هزيمة يتعرض لها حزب حاكم في العالم الغربي على الإطلاق، حيث خسر الحزب كل مقاعده في البرلمان ( أغلبية 151 مقعد) بإستثناء مقعدين، وتم شطبه تماما من الخارطة السياسية. ( أنظر الإنتخابات الفيدرالية الكندية 1993). فقد كانت الهزيمة بمثابة مجزرة سياسية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. أقرب تشبيه لما حدث هو التالي : أقلعت طائرة المحافظين التقدميين بقيادة الكابتن كيم كامبل وعلى متنها 151 راكبا في ظروف جوية عادية وحلقت في الجو بأمان الله وأثناء التحليق وقبل نهاية الرحلة بقليل أصاب الطائرة خلل فني خطير فسقطت الطائرة وتحطمت وقتل كل ركابها ولم ينجو منهم سوى إثنان.
ماحدث لم يكن متوقعا في أسوأ أحلام المحافظين التقدميين ، فعند الدعوة للإنتخابات في 8 سيبتمبر 1993 كانت حكومة المحافظين تحت قيادة رئيسة الوزراء الجديدة تتمتع بشهر عسل مع الناخبين وإستطلاعات الرأي تشير إلى تقدم المحافظين على الأحرار بقيادة رئيس المعارضة الليبرالية آنذاك السيد جان كريتشيان Jean Chretien أما حزب الإصلاح فقد كانت إستطلاعات الرأي تشير إلى تمتعه بنسبة دعم لا تتجاوز 6%-7% وكان أكثر المراقبين تفاؤلا يتوقعون له الفوز بثلاث مقاعد فقط. وكانت التوقعات تشير إلى أن التكتل الإنفصالي Bloc Quebecois الذي إنشق عن المحافظين التقدميين ويخوض الإنتخابات لأول مرة كحزب إنفصالي في دوائر مقاطعة كوبيك الإنتخابية فقط (عددها 75 دائرة) ، قد يرفع عدد مقاعده السبعة، ربما لعشرين أو ثلاثين مقعدا مستفيدا بذلك من أصوات الإنفصاليين والقوميين الفرنسيين.
إنتهت الإنتخابات بفوز حزب الأحرار بقيادة جان كريتشيان بأغلبية ساحقة 177 مقعدا، وإنهيار المحافظين التقدميين وإحتفاظهم بمقعدين فقط ، ومفاجئتين من العيار الثقيل، المفاجئة الأولى، هي فوز تكتل الكوبيكواه الإنفصالي ال Bloc Quebecois ب 55 مقعدا، فيصبح بذلك ثاني حزب في البرلمان بعد الحكومة وبالتالي يشكل المعارضة الرسمية ويصبح السيد لوسيان بوشاررسميا هو رئيس المعارضة . أما المفاجئة الثانية فهو فوز حزب الإصلاح اليميني الشعبوي ب 52 مقعدا برلمانيا ، وخروج حزب المحافظين التقدميين من الساحة السياسية كليا .
خسر حزب المحافظين التقدميين وضعيته كحزب وطني رسمي، فحسب القانون يجب أن يحصل أي حزب على حد أدنى 12 مقعدا لكي يصنف حزبا رسميا معترفا به في البرلمان ، و يصبح له الحق بالحصول على الدعم والتمويل ومخصصات مالية للأبحاث وما شابه ذلك من الأموال العامة، ولكن الخسارة الكبرى لم تكن فقط بالمقاعد البرلمانية والتمويل بل خسارة التغطية الإعلامية اليومية التي تتمتع بها الأحزاب في البرلمان ، وتحول إلى أثر بعد عين، (تحول الحزب إلى لاشئ). لم تعلن الوفاة للحزب لسبب بسيط، أنه كان لا يزال هناك أجنحة محلية شبه مستقلة في كل مقاطعة على حدى، وله ماكينات إنتخابية على المستوى المحلي، وهي التي حملت راية حزب المحافظين التقدميين لحين إستيعاب الصدمة والهزيمة النكراء للحزب الأم، والتحضير للإنتخابات القادمة.
ماذا حدث في الساعات الأخيرة لإنتخابات 1993 ليقلب الأمور رأسا على عقب
بدأت بوادر الهزيمة لحكومة السيدة كامبل تظهر في منتصف الحملة الإنتخابية في أكتوبر 1993 وبدأت إستطلاعات الرأي تشير إلى إمكانية فوز حزب الأحرار بقيادة جان كرتشيان بحكومة أقلية بعد سلسة من التصريحات غير الموفقة من رئيسة الوزراء كيم كامبل بخصوص البطالة والأزمة الإقتصادية إلى آخره…ونتيجة لقلقهم من الهزيمة تفتقت عبقرية المنظمين المشرفين على حملة المحافظين الإنتخابية على أسلوب دعائي جديد، بث سلسلة فيديوهات دعائية تظهر خصمهم الليبرالي جان كريتشيان وهو يتحدث من طرف فمه نتيجة لعاهة أصيب بها في الصغر، سببت له إلتواء في الفم، والمذيع في الخلفية يسأل بسخرية ، هل هذا منظر رئيس وزراء؟ جاء المنظمون المحافظون يكحلوها عموها. أثار هذا الفيديو موجة إمتعاض وسخط عارم من كل أطياف الشعب الكندي. إذ كيف يجرؤ أحد على السخرية من آخر بسبب عاهة خلقية، لقد كانت هذة الفيديوهات بمنتهى الوضاعة والخسة، مستفزة ومنفرة وغبية، إضطر المنظمون على سحبها من التداول ووقف بثها بعد أقل من 24 ساعة، بعد رد الفعل العنيف من الشعب وحتى من أعضاء في الحكومة المحافظة وبرلمانيين محافظين. لم يعتذرعن ذلك أحد، وإنما أكتفت رئيسة الوزراء كيم كامبل بالقول بأنها لم توافق أو تجيز الفيديوهات وأنها بثت دون علمها وأنها أمرت بوقفها فورا. أحدثت الفيديوهات ضررا بالغا لم يكن بالإمكان إصلاحة في آخر أيام الإنتخابات فقد حصل نفور عند الناخبين من هذا الأسلوب الفج والرخيص و دفع حزب المحافظين التقدميين ثمنا باهظا له ما زالت آثاره ماثلة الى اليوم.
بدخول البرلمان لمجموعة من الشعبويين و العنصريين البيض قليلي الخبرة والثقافة كان بعضهم لا يحمل شهادة الثانوية ، بالإضافة إلى دخول 55 عضو من القوميين الفرنسيين ( الكُح) غالبيتهم لا يتحدثون اللغة الإنجليزية ، فلا هذول بحكو إنجليزي ولا هذول بحكو فرنسي (وإلتم المتعوس على خايب الرجا) ، والنتيجة تحول البرلمان الكندي إلى سيرك حقيقي بكل معنى الكلمة وإشتغلت الصحافة الكندية كل يوم بتصريح عنصري من هنا وتصريح عنصري من هناك وصارت أتاوة طعة وقايمة.
ودخل اليمين الكندي مرحلة من تفتت والتيه وضياع البوصلة والإنقسام الداخلي وإنعدام الوزن إستمرت لثلاثة عشر سنة عجاف حتى عودة المحافظين إلى السطة بحكومة أقلية عام 2006 بزعامة السيد ستيفن هاربر، ولكن ليس قبل أن يتم شطب كلمة ” التقدميين” من مسمى الحزب، ولنا مع هذا وقفة ثانية.
دبي 12-09-2019
يتبع
***

المقال الثالث والأخير
أزمة اليمين المحافظ في كندا على ضوء الإنتخابات العامة التشريعية في 21 أكتوبر 2019 (الجزء الأخير)

ذكرت سابقا أن نتيجة إنتخابات 1993 التشريعية العامة كان لها تداعيات كارثية بعيدة الأثر على خارطة التحالفات السياسية في كندا، و على معسكر اليمين السياسي بالذات. فخسارة حزب المحافظين التقدميين ( The Progressive Conservatives Party) لكل مقاعده بإستثناء مقعدين، و بالتالي خسارته وضعيته كحزب رسمي على المستوى الفيدرالي، شكل ضربة مؤلمة لليمين المحافظ المعتدل، لم يتعافى منها حتى الآن. ليس لأنها أدت إلى فقدانه التمويل والدعم الحكومي الضروري من الأموال العامة فحسب. بل أهم من ذلك، أنها أدت إلى إختفائه عن شاشات الرادار والأخبار ومن مركز صنع القرار كليا لمدة أربع سنوات، وتحول الحزب خلال هذة الفترة إلى شيئ غير ذي صلة. و أصبح الجناح الإجتماعي المحافظ -المغمور سابقا- القادم من الغرب، بخطابه الإقليمي الشعبوي المتعصب وأجندته الإجتماعية المحافظة، هو الذي يمثل اليمين على الساحة السياسية.
وفي نفس الإنتخابات، فاز الإنفصاليون الفرنسيون بالمركز الثاني، وهذا أعطاهم الحق بتشكيل المعارضة الرسمية وحكومة الظل ضد حكومة الأحرار تحت زعامة رئيس الوزراء جان كريتشيان. وأصبح زعيمهم المسيُو لوسيان بوشار، رئيسا للمعارضة ، وبالتالي يحصل على سكن حكومي رسمي مع طباخ وسائق وسيارة ومخصصات من المال العام ولقب “رئيس المعارضة المخلصة لجلالة الملكة” (Leader of her majesty’s loyal opposition بما يحويه ذلك من تناقض صارخ. وهكذا، أصبحت أموال دافعي الضرائب في كندا تمول الحزب الإنفصالي الذي يطالب بتقسيم البلد، في مشهد كوميدي سريالي.
معسكر اليمين الكندي عشر سنوات من التيه والنزاع الداخلي 1993-2003
المعضلة التي واجهت معسكر اليمين السياسي بعد عام 1993 هي أن معظم الكنديين في وسط وشرق البلاد، وهي المناطق ذات الكثافة السكانية، كانوا ينظرون إلى حزب الإصلاح (Reform Party) ممثل اليمين في البرلمان، كحركة إحتجاجية شعبوية، ممثلة للغرب فقط، ولا تمثلهم. رغم محاولات الإصلاحيين الجادة والمستميتة خلال ثلاث إنتخابات متتالية ( 1993، 1997، و 2000) كسب ود ناخبي اليمين المحافظ المعتدل في أونتاريو وشرق كندا، إلا أن كل محاولاتهم باءت بالفشل. فلم يحقق حزب الإصلاح قبول لدى السواد الأعظم من الناخبين المحافظين في مقاطعات الأطلسي في الشرق، أو في أونتاريو وبقي الصوت اليميني في تلك المقاطعات منقسم بين حزب اليمين التقليدي “المحافظين التقدميين” والحزب
اليميني الجديد على الساحة ” حزب الإصلاح” . أما في مقاطعة كوبيك الفرنسية، فلم يكن لكلا الحزبين الأنجلوساكسونيين أي حضور يذكر أصلا.
بعد إنتخابات عام 2000، وهي الثالثة بوجود حزب الإصلاح على الساحة، أيقن معسكر اليمين السياسي أن الإستمرار بالعمل من خلال حزبين منفصلين ( الإصلاح والمحافظين) ستبقيهم في كراسي المعارضة إلى الأبد. فلا مفر إذن من توحيد الصوت اليميني وإنهاء الإنقسام، وإلا فإن حزب الأحرار (The Liberal Party) المنافس السياسي القوي، سيبقى في السلطة إلى ما شاء الله. والسبب في ذلك بسيط جدا، أن هناك تقليديا كتلة صلبة مؤيدة للحزب الليبرالي تقدر ب 30% من الناخبين، و كتلة صلبة أخرى يمينية محافظة تقدر ب 30% أيضا، متعادلتين تقريبا. وكتلة ثالثة أخرى يسارية-إشتراكية تقدر ب 20% أكثر أو أقل بقليل، وما تبقى من نسبة الناخبين ال20% الأخيرة هي الكتلة المتأرجحة، أو ما يسمى بالإنجليزية ب Swing vote
ونظرا لطبيعة النظام الأنتخابي FPP)) first past the post الذي يعتمد “الأكثرية” وليس “الأغلبية” ( Plurality vs. Majority) فإن تفتت الصوت اليميني بين حزبين سيعني بقاء الليبراليين في الحكم إلى الأبد. فقد فاز رئيس الوزراء الليبرالي الأسبق جان كريتشيان بحكومته الثانية عام 1997 بحصوله على 38.5% فقط من إجمالي الصوت الشعبي. لأن النظام الإنتخابي لا يعمل وفقا للتمثيل النسبي، بل إن الفائز بأكبر عدد من الأصوات في الدائرة يحصل على المقعد، فعندما يتنافس في الدائرة الواحدة خمسة أو ستة مرشحين، فإن الفائز بالمقعد قد ينجح بنسبة أصوات لا تتجاوز 25% – 28%. وهذا هو النظام المعمول به في بريطانيا أيضا.
بالنسبة ل “للمحافظين التقدميين” خاصة في مركز الثقل مقاطعة أونتاريو و مقاطعات شرق كندا ، كانت الوحدة مع حزب الإصلاح حبة دواء من الصعب إبتلاعها ، خاصة وأنها ستجعل منهم الشريك “الأصغر” في أي تحالف محتمل. ولكن بعد عشر سنوات متتالية من التيه في جبهة يمينية منقسمة، وتشتت أصوات اليمين ، أصبحت الوحدة بالنسبة لليمين مسألة “نكون أو لا نكون”. لا يوجد مفر من إبتلاع الحبة، كونها أهون الشرين. وفي ديسمبر 2003 صوت أعضاء الحزبين بنسبة 96% لإندماج حزب الإصلاح مع ” حزب المحافظين التقدميين” لتشكيل حزب واحد جديد سمي ب ” حزب المحافظين” بعد شطب كلمة ” التقدميين” من مسمى الحزب في إشارة لا تخلو من دلالات رمزية هامة. بعد ثلاثة أشهر تم إنتخاب السيد ستيفن هاربر (Stephen Harper) من الجناح الإصلاحي رئيسا للحزب الجديد.
إنتخابات 2004 و 2006 و 2008 ثلاث حكومات أقلية على التوالي
في ديسمبر من العام 2003 تم إختيار وزير الماليه الليبرالي السيد بول مارتن خلفا لرئيس الوزراء المستقيل السيد جان كريتشيان، الذي دعا بدوره إلى إنتخابات جديدة في 28 يونيو 2004 وفاز فيها بحكومة أقلية. خسر المحافظين أول إنتخابات لهم كحزب موحد لأن غالبية من الناخبين الكنديين كانوا لا يزالون يتوجسون خيفة من المحافظين (حزب الإصلاح سابقا) ولا يثقون بتوجهاتهم أو توجهات رئيسهم السيد هاربر اليمينية. كان هناك تخوفا مشروعا لدى الكنديين، من أن هاربر لديه أجندة يمينية مخفية ( Hidden Political Agenda) . هذه المخاوف كانت ناتجة عن مقالات وتصريحات سابقه له و لأعضاء في حزبه، تجاه العديد من القضايا الحساسة، كقانون التأمين الصحي المجاني للجميع، -الذي يعتبره الكنديون بقرة مقدسة- بالإضافة إلى تخوف الناخبين من أن حزب المحافظين (النسخة المعدلة)، يرغب في إعادة فتح بعض القضايا الجدلية التي حسمت في السابق، كحرية الإختيار بالنسبة للمرأة بما يتعلق بالإحتفاظ بالحمل أو الإجهاض، والعلاقات المثلية والحريات الفردية بشكل عام ، وقانون الهجرة ، بالإضافة لمواقف الحزب غير المنسجمة تماما مع المزاج الكندي العام، من قضية كوبيك والوحدة االوطنية، وثنائية اللغة والتعددية العرقية والهجرة.
لسوء حظ رئيس الوزراء السيد بول مارتن تفجرت في ذلك الوقت بعض الفضائح المالية التي طالت الحزب الليبرالي مثل فضيحة “الرعاية والدعم” أنظر Sponsorship scandal وكانت تتعلق بمبالغ ضخمة أنفقتها حكومة الأحرار في إستفتاء كوبيك عام 1995 على الدعاية والإعلان ، لدعم الجانب الفيدرالي، و ذهبت في معظمها لشركات ومؤسسات معروفة بإرتباطها بالحزب الليبرالي. أثرت هذة الفضيحة بشكل سلبي على سمعة الحكومة، وأعطت المعارضة الذخيرة، والحجة للمطالبة بإسقاط الحكومة على شبهات فساد. في نوفمبر 2005 صوتت المعارضة ( المحافظين واليساريين والإنفصاليين) لسحب الثقة من الحكومة، مما أضطر بول مارتن للدعوة لإنتخابات جديدة في يناير من العام 2006 ليخسرها ويفوز فيها حزب المحافظين .
القيادي اليميني من حزب الإصلاح ستيفن هاربر رئيسا للوزراء 2006-2015
قلت سابقا أن إحدى تداعيات إنتخابات 1993 الكارثية أنها جاءت بعدد لا بأس به من الشخصيات اليمينية العنصرية إلى البرلمان، وزجت بهم في الواجهة الوطنية. ما كان لهذة الشخصيات الهامشية –سابقا- أن تحتل هذة المكانة على الساحة السياسية الوطنية ، لولا هذه الإنتخابات المؤسفة… لقد إرتكبت رئيسة الوزراء السابقة السيدة كيم كامبل وفريقها المنظم خطأ لا يغتفر في إنتخابات 1993 أدى إلى خروج حزبها من الساحة بالكامل، وصعود التيار اليميني العنصري المتطرف . لا أقول ذلك كباحث أكاديمي، بل كشاهد عيان وكمراقب عاصر تلك الفترة عن قرب. لقد أخرجت إنتخابات 1993 إلى السطح أسوأ عناصر العنصرية والكراهية في المجتمع الكندي، ودفعت بهم إلى الواجهة في غفلة من التاريخ ومن الجغرافيا. ستيفن هاربر ( Stephen Harper) جايسون كيني ( (Jason Kenney، جون بيردJohn Baird ) )، ميشيل ريمبل ) Michel Rempel) ، ماكسيم بيرنير( Maxime Bernier) ، بيير بوليفر( Pierre Poilievre). أندرو تشير ( Andrew Scheer) ، وغيرهم، كل هؤلاء يجمعهم عناصر مشتركة مع أبناء عمومتهم في اليمين المسيحي الأمريكي، عنصريتهم عن جهل، كراهيتهم لليبراليين ولليسار، تزمتهم الديني المسيحي، الإسلاموفوبيا، عدم ثقتهم بالعلم والعلماء، نكرانهم للتغير المناخي والإنحباس الحراري ، وعبادة الرأسمالية المنفلتة من أي عقال.
بعضهم كانوا هواة في السياسة وأشباه أُميين ( ما لهم بهذة السوالف)، لا يحملون أي تأهيل أكاديمي، كجايسون كيني (Jason Kenney) الذي أصبح وزيرا للهجرة و الآن حاكما لمقاطعة ألبرتا ، لا يحمل أي شهادة جامعية أو تحصيل أكاديمي. وميشيل ريمبل (Michelle Rempel) وزيرة الدولة السابقة ( شهادة ثانوية)، وهي الآن ضيف دائم على قناة فوكس نيوز الأمريكية. فقد سئلت مرة بعد إحدى المقابلات الصحفية، ما هي النصيحة التي تحبي أن توجيهنها لأقرانك من عضوات البرلمان من من النساءـ فأجابت أنصحهن بالتأكد دائما بأن شعورهن مصففة بشكل جيد. ( To make sure their hair looks good) …!
عداء اليمين المسيحي للإسلام والمسلمين
ذكرت آنفا بأن أحد العوامل المشتركة التي تميز اليمين الكندي المحافظ مع أبناء عمومتهم إلى الجنوب، اليمين المسيحي الأمريكي، هو كراهيتهم للإسلام وتعصبهم ضد العرب و المسلمين. فبعد سقوط الشيوعية وتفكك الإتحاد السوفييتي ، أصبح عدوهم الرئيسي الآن هو الإسلام. خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سيبتمبر 2001 المؤسفة. فبالنسبة لهؤلاء لا يوجد مسلم جيد ومسلم سيئ، فالكل سواء. فهم عن جهل أو -عن تجاهل متعمد- لا يفرقون بين طالبان، القاعدة، وداعش وبين الأغلبية الساحقة من المسلمين العاديين حول العالم، فكلهم في نظرهم مسلمين. وعندما يتحدثون عن الإسلام عادة ما تلمس سذاجة مثيرة للشفقة وسطحية تفكير لديهم بحقيقة الدين الإسلامي. حتى أن بعضهم لا يفرقون بين المسلمين والسيخ ، وهناك حادثة شهيرة حدثت في أمريكا في أعقاب أحداث 11/9 عندما قتل رجل سيخ إنتقاما على أيدي عنصريين ظنا منهم أنه مسلم. وأكثرهم يعتقدون أن المسلمين يعبدون محمد، صلى الله عليه وسلم.
مكث رئيس الوزراء السابق السيد ستيفن هاربر في الحكم ما يقارب العشر سنوات، لم يزُر مسجدا للمسلمين قط، والزيارة الوحيدة التي قام بها كانت لإفتتاح مسجد للبهائيين في كالغاري (Calgary) عام 2008 فقط. حاول ستيفن هاربر جاهدا منذ توليه الحكم إشاعة الخوف والشكوك ضد المسلمين في كل مناسبة، ظنا منه بأنه إذا خلق عدوا خارجيا ( وهميا) سيلتف الناس حول حكومته المتشددة (التي تقاتل “الإرهاب الإسلامي” بلا هوادة). ففي العام 2013 ، على سبيل المثال، ألقت الشرطة الكندية القبض على الإرهابيين شهاب الزغير ورائد جاسر بتهمة محاولة تنفيذ عملية إرهابية لتفجير قطارات بين تورنتو ونيويورك. أُجهضت هذة العملية بفضل تعاون الجالية الإسلامية في تورونتو مع الشرطة. وأثناء جلب المتهمين للمثول أمام االمحكمة، قامت حكومة هاربر بأرسال المئات من جنود القوات الخاصة المدججين بالسلاح، والمدرعات والسيارات المصفحة لتطويق المنطقة، ونشرت القناصة على أسطح البنايات، وأغلقت كل الشوارع المؤدية إلى المحكمة قبيل إحضار المتهمين تحت حراسة مشددة للمثول أمام القاضي، في مشهد مثير للرعب والخوف. ولم تنسى أحضار الصحافة ووكالات الأنباء لضمان تغطية مكثفة للحدث في مسرحية إستعراضية رخيصة .
كان الهدف من هذا الإستعراض المسرحي السخيف، هو بث الرعب في قلوب الناس وإشعارهم أن هناك خطرا خارجيا يهددهم ، وأن حكومة هاربر هي التي تحميهم من هذا “الإرهاب الإسلامي”. علما بأنه لم يكن هناك أي مبرر على الإطلاق لهذا الإستعراض البهلوني المبالغ فيه، فالمتهمين كانا يتصرفان بشكل فردي، وكان بالإمكان بكل سهولة ودون أي ضجة إحضارهما مخفورين ومكبلين بالكلبشات إلى قاعة المحكمة برفقة شرطية وشرطي وسائق.
في العام 2009 أعلن السيد جيسون كيني ( Jason Kenney) وزير الهجرة آنذاك، أنه سوف يقوم بمراجعة وإعادة دراسة التمويل الحكومي الذي كان يدفع منذ العام 1967 للإتحاد العربي الكندي (The Canadian Arab Federation) وهو منظمة كندية علمانية، تضم مهاجرين عرب من المسلمين والمسيحيين، تُعنى بتقديم خدمات لمساعدة وإعادة تأهيل المهاجرين الجدد، وتعليمهم مهارات البحث عن عمل واللغة التي يحتاجونها للتأقلم في المجتمع الكندي، مثل أي جالية أخرى. وتم فعلا قطع هذا التمويل. لجأ الإتحاد العربي الكندي إلى القضاء، ولكن المحكمة أيدت القرار لدوافع سياسية واضحة إرضاءا للمؤتمر اليهودي الكندي ذو النفوذ القوي. أنظر (The Canadian Arab Federation CAF).
ما قام به الوزير كيني هو عملا عنصريا بإمتياز. نموذج من إساءة إستخدام السلطة من مسؤول حكومي للتعبير عن أحقاد شخصية وتعصب أعمى ضد العرب والمسلمين. السيد جايسون كيني برر قراره هذا بالإشارة إلى تصريحات سابقة لرئيس إتحاد العرب الكنديين آنذاك، السيد خالد معمر متعاطفة مع الفلسطينيين واللبنانيين ضد الهجمات الإسرائيلية المتكررة، وتدين إسرائيل كدولة فصل عنصري. من المضحك أن السيد كيني صرح : ” أن المجموعات التي يقوم رؤساؤها بالتلفظ بأقوال تدل على عدم “التسامح” و”الكراهية” والتي لا تنسجم مع قيم ومبادئ كندا في التسامح والإحترام المتبادل يجب أن نمنع عنها التمويل من أموال دافعي الضرائب” إنتهى الإقتباس. أنظروا من الذي يتكلم ، إنسان جاهل غير متعلم ينضح بالعنصرية من رأسه حتى أخمص قدميه، يحاضر في التسامح.
يشار في هذا الصدد، أن حكومة ستيفن هاربر رفضت طلبات متكررة منذ مجيئها إلى السلطة عام 2006 بالإجتماع مع ممثلين عن الإتحاد العربي الكندي، أو مع المؤتمر الإسلامي الكندي، وهما منظمتان رئيسيتان تمثلان العرب والمسلمين في كندا.
أسلوب اليمين المسيحي في إغتيال الشخصية وشيطنة الخصوم
من عام 2006-2011 خاض اليمين الكندي (النسخة المعدلة بعد الدمج) ثلاث إنتخابات. خسر الأولى أمام رئيس الوزراء الليبرالي السابق بول مارتن، وفاز بإثنتين كلاهما حكومتي أقلية، ( واحدة ضد بول مارتن، والثانية ضد ستيفان ديون) ، وبناءا على دراسة سريعة وتحليل نتائج للإنتخابات الثلاث، ونسب الفوز الهامشية الضئيلة جدا، كان واضحا أن الناخبين الكنديين لم يكونوا مستعدين لمنح السيد هاربر وحزب المحافظين حكومة أغلبية، وبالتالي شيك على بياض لتنفيذ أجندتهم اليمينية. فلم يكن سرا، أن أكثرية من الناخبين في كندا كانوا يشككون في نوايا هاربر وحزب المحافظين ( الإصلاح). لكن خلال هذة الفترة من الحكومات الأقلية اليمينية المتعاقبة 2006-2011 (تَمسكَن هاربر ليتمكًن).
في العام 2011 خاض ستيفن هاربر الإنتخابات ضد الرئيس الجديد للحزب الليبرالي. الأكاديمي البارز، المؤلف والمؤرخ المتميز السيد مايكل إجناتشيف (Michael Ignatief) ، ومايكل هو إبن جورج إجناتشيف، ديبلوماسي كندي سابق، عمل مساعدا لرئيس الوزراء الأسبق ليستر بيرسون ( Lester B. Pearson. وقد عمل السيد مايكل إجناتشيف كبروفيسورا في جامعات أكسفورد وكامبريدج وهارفارد لسنوات طويلة وعاد سنة 2005 ليقود الحزب الليبرالي بناءا على إلحاح ودعوة من قياديين ليبراليين كبار، قاموا بإرسال وفد إلى بوسطن خصيصا لإستقطابه وإقناعه بالعودة لقيادة الحزب ( أنظر Michael Ignatieff).
لجأ ستيفن هاربر للأساليب السياسية القذرة لمواجهة خصمه. أسلوب إغتيال الشخصية ، التشكيك بوطنية الخصم وإنتماءه للبلد، ، نشر الأكاذيب وأنصاف الحقائق، بالتلميح والرسائل الضمنية، التشكيك وإشاعة الخوف حوله وتحطيم صورته. هذا الأسلوب في إغتيال الشخصية أشتهر به اليمين المسيحي الأمريكي، وهو أسلوب دخيل على المجتمع الكندي. أستعاره اليمينيون (الإصلاحيون) بزعامة هاربر من أقرانهم الأمريكان. لقد خاض السيد بريان مولروني ( Brian Mulroney) ، رجل الدولة المعروف، ورئيس وزراء كندا عن حزب المحافظين من 1984-1993 حملتين إنتخابيتين ناجحتين ضد رئيس الوزراء الليبرالي الأسبق السيد جون تيرنر( John Turner)، لم يتطرق أبدا خلال 9 سنوات لشخصيتة أو وطنيته، أو يشكك في إنتمائه إلى كندا، بل كان التنافس بينهما دائما مبني على البرامج والأفكار والسياسات. أما النسخة المعدلة من المحافظين بقيادة هاربر، فقد إنحدرت إلى مستويات منخفضة جدا في العمل السياسي ، ضاربة عرض الحائط بكل القيم النبيلة والممارسات المتحضرة التي تميزت بها كندا طوال تاريخها، أصبحت ( الغاية تبرر الوسيلة) في سبيل البقاء إلى السلطة.
إنتخابات 2011 هاربر يفوز بحكومة أغلبية بالَأوَنطة
تركزت إستراتيجية هاربر في إنتخابات 2011 إغتيال شخصية الخصم، ووضعه في قالب سلبي معين وتحطيم صورته أمام الناخبين. قام المحافظون ببث فيديوات دعائية تلفزيونية، تقول بأن مايكل إجناتشيف “مجرد زائر لكندا”… وأنه لم يحضر من أجل الشعب، وإنما من أجل نفسه. (“He’s just visiting” ) وقاموا ببث هذة الفيديو الدعائي بطريقة القصف العشوائي ( Carpet bombing) طوال الحملة الإنتخابية، في كل محطات التلفزيون 24 ساعة 7 أيام في الأسبوع. وكانت الرسائل “الضمنية غير المباشرة” لهذا الفيديو أن مايكل إجناتشيف “ليس كنديا بما فيه الكفاية”، و”أنه لا يحب وطنه كندا” وإلا لما عاش هذة الفترة الطويلة خارجها ( في بوسطن ولندن) ، وأنه مجرد إنسان وصولي يحب نفسه، و أنه فقط يريد أن يصبح رئيسا للوزراء من أجل إشباع الأنا عنده.
الدعاية السلبية المستمرة منذ أشهر أتت أكلها للأسف، وهزت صورة السيد مايكل إجناتشيف أمام الناخبين، خاصة وأن السيد إجناتشيف، الأكاديمي المتحضر، رفض الرد عليها بدعاية مضادة، لدحضها وتفنيدها بفيديو مضاد للإثبات خطأها وعقمها، إعتقادا منه بأن الشعب الكندي لن يشتري هذة الدعاية. علما بأنه كان من السهل جدا على الحزب الليبرالي أن يرد ويفند، بل ويقلب الطاولة على المحافظين ويجعل هذا المنطق الخاطئ يعمل ضدهم، وليس معهم، ولكنهم لم يردوا. فدفع حزب الأحرار الثمن غاليا وتعرضوا لأسوأ هزيمة في تاريخهم، وتقهقر الحزب إلى المركز الثالث، خلف الحزب اليساري “الديمقراطيين الجدد”. وخسر السيد إجناتشيف مقعده في تورنتو، وهكذا ربح ستيفن هاربر أغلبيته الأولى والأخيرة بالأونطة والأساليب القذرة.
ماذا يريد اليمين السياسي الكندي الآن، تحت زعامة السيد أندرو تشير Andrew Scheer)) والمنشق ماكسيم بيرنير ( Maxime Bernier)
بعد هزيمتة في 2015 على يد جاستن ترودو، إستقال السيد هاربر، وخلفه في قيادة الحزب السيد أندرو تشير ( Andrew Scheer) في مؤتمر للحزب عقد سنة 2017 ، وقد كان التنافس قوي بين أندرو تشير وبين السيد ماكسيم بيرنير ( Maxime Bernier) الذي حل بالمركز الثاني بفارق أقل من 1%. بعد سلسلة من التصريحات المثيرة للجدل للسيد ماكسيم بيرنير بخصوص المهاجرين والتنوع العرقي الذي عبر فيها بصراحة عن طريقة تفكير الكثيرين في حزبه وخلافات أخرى مع رئيسه، قرر السيد ماكسيم بيرنير الإستقالة من الحزب وأعلن نيته تأسيس حزب جديد، قائلا أن الحزب المحافظين أصبح مفلسا أخلاقيا وغير قابل للإصلاح.
حزب الشعب، يمين يمين اليمين
في 14 سيبتمبر 2018 تم الإعلان عن حزب يميني جديد إسمه حزب الشعب بزعامة مؤسسه السيد ماكسيم بيرنير (People’s Party)، وأعلن عن نيته خوض الإنتخابات القادمة في أكتوبر 2019 كممثلا عن اليمين. وهكذا يعود اليمين الكندي إلى المربع الأول من جديد، إنقسام ونزاع داخلي وضياع بوصلة. و يصبح في كندا ثلاثة أجنحة لليمين، الجناح المعتدل ويمثله ” المحافظين التقدميين” أمثال رؤساء الوزراء السابقين بريان مولروني، جو كلارك، كيم كامبل. جناح “يمين اليمين” ويمثله السيد ستيفن هاربر رئيس الوزراء السابق وتلميذه النجيب أندرو تشير، رئيس حزب المحافظين المعارض، وجناح “يمين يمين اليمين” ويمثله السيد ماكسيم بيرنير وحزب الشعب.
ماذا يريد اليمين الكندي ؟ لغاية الآن ليس واضحا ماذا يريدون. كما شاهدنا في السابق خلال ما يقارب عقدا من الزمان من حكم اليمين بزعامة السيد هاربر أن ما يُصًرح به في العلن شئ، وما تحمله أجندة المحافظين الخفية شيئا آخر تماما. فهناك عمليا ثلاث وجوه لحزب المحافظين، وجه في المعارضة، ووجه في حكومة أقلية، ووجه ثالث في حكومة أغلبية.
والأهم من ذلك ، ما زال السيد أندرو تشير لم يجيب بشكل مقنع، لماذا يريد أن يكون رئيسا للوزراء بدلا من الزعيم الكاريزماتي السيد جاستن ترودو، وماذا سيفعل لكندا أحسن منه. فالسؤال الجوهري الذي سيطرح نفسه على الناخبين في 21 أكتوبر 2019 والذي على المحافظين أن يجيبوا عليه بشكل مقنع هو :
إذا كانت ليست مكسورة فلماذا نصلحها؟ ( If it isn’t broke why fix it)
الخيار في هذة الإنتخابات ليس بين يمين ويسار ، وليس خيار بين أندرو تشير وجاستن ترودو بل هو الخيار بين رؤيتين مختلفتين ، التقدم إلى الأمام بنظرة إيجابية وتفاؤليه للمستقبل نحو مجتمع يحتضن الجميع ويحتفي بالتنوع الثقافي والعرقي كمصدر قوة، ويعتبر كندا بلدا للجميع. أو النكوص إلى الخلف في مجتمع متفرق خائف غير متسامح وعنصري ويتعامل مع الناس كصنفين خيار وفقوس، كما كان الوضع في عهد ستيفن هاربر وجايسون كيني.

عن موقع : كاتب الدراسة هو السيد فهد السالم صقر – كاتب وباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية- رسالة بوست ( قمنا ببعض التعديلات المحدودة على الدراسة )


***

الخاتمة من كندا سبيل : والآن وقد فاز الليبيرال وفازت المحبة ونبذت الكراهية والعنصرية دعونا نتمسك بهذه القيم الانسانية ونعمل معاً لاستمرارها لخدمة الشعب الكندي المتنوع الأعراق ونابذ التعصب والداعي الى التسامح ولتلاقي الثقافات .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock