اقتصاديات

جائحة كورونا تحفزنا لإعادة الاعتبار لدور الحكومة في المجتمع

كتب : د. بشير محمد الخضرا*


المقال صفحة 12 من ساخر سبيل العدد الشهري91

لا شك في أن جائحة الكورونا قد هزَت أركان المجتمعات البشرية بطريقة تضاهي ما تفعله الحروب الكبرى على وجه الأرض من دمار وقتل في المجتمعات البشرية المتأثرة. ومع ذلك، فلم نر ردود فعل بشرية إنسانية جامعة وقادرة على تحدي الجائحة على المستوى الدولي الجماعي.

أمام جائحة الكورونا، وبكونها شكلت تهديدا لكل البشر في مختلف مستوطناتهم بدون تمييز بين دولة قوية أو دولة ضعيفة فقيرة، أصبحنا نشاهد في بعض البلدان ردود فعل سريعة وقوية تهتم بالبشر وتقليل الإصابات والضرر، وبكلفات عالية وباهظة، كما شاهدنا في بعض الدول المعروفة بأنها قوية وغنية ومعروفة بتفوقها “الحضاري” تتلكأ وتتوانى عن القيام بالجهود المطلوبة للمحافظة على الإنسان في معالجاتها، ما زاد في عدد الإصابات والمعاناة البشرية، على الرغم من أن لها قصب السبق في التقدم العلمي والثراء المادي. وكان من الصادم أن يكون الهم الأول لهذه المجموعة هو بقاء الاقتصاد قويا، مع إعطاء الدرجة الأقل من الاهتمام للعناية بالبشر، لإيمانهم بأن هناك عملية انتقاء طبيعي تؤدي إلى “البقاء للأصلح”. وكان التعبير عن تبني هذا الموقف صريحا مباشرا أحيانا (كالولايات المتحدة والمملكة المتحدة)، وغير مباشر أحيانا أخرى في حالات أخرى. وقد أعطت هذه التجربة البشرية المُرّة المعنى الحقيقي لهيمنة الرأسمالية المتوحشة كما يمثلها “المحافظون الجدد” أو ” الليبراليون الجدد”. ربما يكون أول درس للبشرية بعد كل التدمير الحضاري والإنساني الذي حصل خلال قرن كامل مضى، هو سقوط كل الشعارات “الإنسانية” التي ارتبطت بالمجموعة الغربية من دول العالم، والتي كانت تبيعنا شعارات الديموقراطية وحقوق الإنسان وتحرر المرأة وغير ذلك من الشعارات. ولا شك في تقديسنا لهذه الأفكار والشعارات، ولا نُجَرِّمُها، بل نُجَرِّم الإساءة إليها من قبل دول الغرب باختطاف تلك الشعارات وأمثالها للولوج إلى التدخل في البلدان الضعيفة والاستيلاء على ثرواتها وثقافاتها وإمكاناتها الأخرى، وهذا ما أثبته التاريخ المعاصر وما سبقه من قرنين من الزمان.
ولم يكن هذا الوضع من إهمال للعنصر البشري الضعيف في المجتمع ليسود لولا التمهيد له قبل أربعة عقود تقريبا حين بدأ هجوم الليبراليين الجدد على دور الحكومة (يسمى أحيانا دور الدولة) في المجتمع. وكانت أداة “الخصخصة” هي السبيل لتضييق وتحديد دور الحكومات في مجتمعاتها، وسيطر شعار “Good Government is Small Government” أي “الحكومة الجيدة هي الحكومة الصغيرة”. وأذكر في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي أنني حصلت على إجازة تفرغ علمي من الجامعة الأردنية حيث استضافني قسم الإدارة العامة في جامعة ولاية فلوريدا في تالاهاسي، لأُفاجأ هناك بسيطرة برامج الخصخصة على خطة تدريس الإدارة العامة: قسم الإدارة العامة يطرح مواد الخصخصة! ومصدر مفاجأتي أنني عندما بدأت دراسة الإدارة العامة في الجامعة الأميركية في بيروت في أواخر الخمسينيات وبداية الستينيات كان التركيز على أهمية دور الحكومة في المجتمع وكانت مهمتنا كدارسين للموضوع أن نحمي هذا الدور ونجعله قويّا فعّالا بكفاءة وفعالية إدارات الأعمال، وتحت شعار “Business in Government”، أي إدخال أساليب الأعمال في إدارات الحكومة. وهذا ما درّسناه لطلابنا في الجامعات العربية من بعدُ. ومن الولايات المتحدة انطلقت حملة بالتعاون بين الحكومة الأمريكية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي والجامعات الأمريكية لفرض الخصخصة على باقي دول العالم المصابة بالاستدانة والقروض المدمرة. وقد كان بلدنا الأردن من ضحايا هذه الاتجاه، حيث تم تشليح الحكومة من مرافق كبرى وتحويلها إلى الخصخصة وبطرق غير شفافة، على الرغم من معارضات الكثير من الخبراء والأكاديميين في ذلك الوقت. فهل سوف تؤدي جائحة الكورونا في الولايات المتحدة بالذات إلى إعادة النظر في سياسة تقليص دور الحكومة، تلك السياسة إلتي ساهمت بدرجة كبيرة في ضعف دور الحكومة الأمريكية إزاء الجائحة؟
على جانب آخر، وبالنظر لتجربتنا مع جائحة الكورونا في الأردن، أشهد بأني والكثير من الأردنيين قد صُدمنا صدمة إيجابية إزاء تصرف الحكومة مع هذه الجائحة الخطيرة، حيث شاهدنا كمواطنين سلوكا للحكومة ربما لم نعتده من قبل. لقد كان تنبه الحكومة للموضوع مبكرا، من خلال الإعلان عن أول إصابة، وما رافق ذلك من إغلاق الحدود وتحويل الوافدين من خارج الأردن إلى فنادق البحر الميت لعزلهم، كل شخص في غرفة منفصلة، وتقديم الطعام وكافة الخدمات لهم، ومعرفة المصابين منهم؛ وما تبع ذلك من إجراءات إدارية وطبية صحية وتموينية، ثم قرار منع التجول لمدة ثلاثة أيام ثم التحول إلى منع جزئي كل يوم مع توجيهات تثقيفية من رئيس الوزراء والوزراء أنفسهم. وقد أدّوا ذلك بمنتهي الشفافية والمهنية. وقد أصبح لدى الناس وعي عال بالإصابة وطرق الوقاية منها، وكانت هناك فرصة لتدريب الناس على الانتظام في طوابير فيها التباعد المطلوب بين الواقفين وتعلم الصبر واحترام الآخر، مع وجود رجال الجيش وكافة الأجهزة الأمنية في كل مكان للمحافظة على الالتزام بقرارات الحكومة. وقد أظهرت هذه الحالة الكفاءات والطاقات الوطنية الشابّة المتميزة في الحكومة. ولكن كأي تجربة كبرى فيها الكثير من التحديات، حدثت بعض التصرفات من بعض مجموعات من الناس أدت إلى زيادة عدد المصابين بشكل مؤسف. فكانت أول مخالفة “شعبية” للإجراءات الحكومية حضور عدد كبير من الناس عرسا في مدينة إربد، ولما تبين ذلك للحكومة قامت بإرسال فرق ميدانية متخصصة للوصول إلى كل من حضروا العرس في تلك الليلة، حتى من كان منهم يقيم خارج إربد، ثم الوصول إليهم وإلى من تخالطوا معهم بعد العرس من أهل وأصدقاء وزبائن، وفحصهم وتحويل المصابين منهم إلى العزل الصحي. وكانت عملية شاقة واحترافية. وقد حدثت مخالفة أخرى في أول يوم بدأ فيه توزيع الخبز حيث ذهبت الحافلات التي تحمل الخبز والموظفين لتسليمها للناس في أماكنهم. وأظهرت تلك المخالفة ضَعفا في الإجراءات تم تجاوزها في اليوم الثاني. وعلى جانب آخر، أظهرت المؤسسات التعليمية من مدارس وكليات وجامعات القدرة على الاستجابة السريعة؛ فاستطاعت وزارة التربية والتعليم في وقت قصير طرح محاضرات الدروس التعليمية لكل المستويات من خلال الإنترنت واستطاع الطلبة متابعة الدروس في بيوتهم. وكذلك فعلت معظم المدارس الخاصة الكبرى والجامعات الحكومية والخاصة، على الرغم من أن أسلوب التعليم عن بعد لم يكن شائعا هنا إلاّ في الجامعة العربية المفتوحة وجامعة القدس المفتوحة. فكانت هناك إجازة بدون تعطل التدريس والدراسة. وهذه قفزة كبيرة في النظام التعليمي الأردني وربما العربي، ومن جهة أخرى كانت هذه الاستجابة فرصة تدريبية للمجتمع في مواجهة الكوارث، كما أن هذه القفزة التدريسية التربوية سوف تُقَرِّب بين مؤسسات التعليم عن بعد ومؤسسات التعليم التقليدية التي تلتزم بحضور الطالب إلى الصف، مع ملاحظة أننا كنا في الجامعات التقليدية في السابق ننظر نظرة غير سوية للتعليم عن بعد ونعتبره أقلَّ شأنا (دراسة بالمراسلة). فالآن قد قصرت مسافة التباعد وما حدث سوف يُقرب النظامين أكثر فأكثر. وبالعودة إلى مع ما قلناه عن الخصخصة في أعلاه، أظهرت هذه الجائحة أهمية العودة إلى تعزيز دور الحكومة في المجتمع وقد تبين أنه كان الأساس في قدرة بلدنا على الاستجابة السريعة للجائحة وبالتعاون مع القطاع الخاص بكافة مكوناته. والنتيجة أن الإصابات ما زالت قليلة نسبيا ولم تُسجِّل أية وفاة بحمد الله. ولكن على مستوى الدول المحكومة بالليبرالية الجديدة، وبخاصة الولايات المتحدة، لا يبدو أن هناك جهودا للتعلم من هذه التجربة والعودة إلى أساس علم الإدارة العامة منذ نشوئه: الإيمان بدور الحكومة في المجتمع وتعزيزه كما كان مفهومه إبان نشأة علم الإدارة العامة في مطلع القرن العشرين.
*د بشير محمد الخضرا- عمّان، الأردن. [email protected] Email:
***

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock