اقتصاديات

الاقتصاد العالمي بين موجتي كورونا.

ساخر سبيل – ميسيساغا.

الاقتصاد العالمي بين موجتي كورونا.
بقلم : الدكتور أحمد البوريني
[email protected]

لقد أصبح من نافلة القول إن جائحة كورونا قد ضربت في العمق كل تفاصيل حياتنا، فقلبت الموازين، وأعادت تشكيل الواقع بصورة أقرب إلى مسرح الخيال العلمي. وكلنا متفقون تقريباً بأن كل شيء قد تغير، بدءاً بصغائر الأمور حتى أعظمها. وليس بالضرورة أن يكون ذلك سلبي بالمطلق، إذا نظرنا إلى الصورة بكليتها. إلا أن التعامل مع واقع جديد يستوجب بالضرورة فهم معطياته المستحدثة وتحولاته المستقبلية كي نتمكن من التفاعل معه، خاصة وأن الأبعاد الاقتصادية والصحية والنفسية للجائحة ستتجاوز الحاضر لتمسّ بصورة مباشرة ايضاً مستقبل الافراد والمؤسسات والدول على المديين القريب والبعيد.

وفي الوقت نفسه، ومع استمرار هذه الأزمة الصحية العالمية التي لا سابق لها في الذاكرة الحية. حيث تسببت في أعظم ركود اقتصادي منذ ما يقرب من قرن من الزمان وتسببت في أضرار جسيمة لصحة الملايين من الناس ووظائفهم ورفاههم، يجد الجميع أنفسهم مكبلين بعدم القدرة على الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بالمستقبل، وأهمها “متى”:
فمتى ستتمكن المؤسسات ومراكز الأبحاث من تطوير عقار ناجع؟ ومتى سيتعافى الاقتصاد؟ ومتى ستعود الحياة إلى طبيعتها؟ وغيرها من التساؤلات المرهقة.
من الناحية الاقتصادية، يرى الخبراء بأن ذلك كله مرتبط وعلى نحو كبير بوجود سيناريوهين محتملين لمعضلة كورونا ومن ثمّ تحقيق الانفراج الاقتصادي: أحدهما أن يصل الفيروس في جميع أنحاء العالم إلى ذروته وبالتالي يتضاءل تأثيره مع نهاية الموجة الأولى دون أن يعود للتفشي بقوة مرة أخرى، أما السيناريو الآخر وهو الأسوأ فيتمثل في حدوث موجة ثانية من تفشي الفيروس بصورة أكبر رغم عمليات الإغلاق قبل نهاية عام 2020. وما بين الموجتين يقع مستقبل الاقتصاد العالمي وامكانات التعافي ومستويات الخسائر. والحقيقة أنْ لا أحد، حتى منظمة الصحة العالمية، يمتلك إجابة شافية أو تصوراً واضحاً حول أي السيناريوهين سيكون أرجح لغاية هذه اللحظة.
من جانب آخر، وبعيداً عن التوصيف السردي، وبلغة الأرقام، نجد أن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية قد وضعت بعض التوقعات بشان حجم التراجع في نمو الناتج المحلي الإجمالي GDP في الدول ذات الثقل الاقتصادي في كلا الحالين استناداً إلى تحليل حجم اقتصادات الدول، والقطاعات المتأثرة بالوباء، ومدة وطبيعة إجراءات الإغلاق الاقتصادي الذي اتبعته تلك الدول، مع الإقرار بصعوبة التنبؤ بدقة؛ إلا أنها قدرت حجم التراجع في نمو الناتج المحلي الإجمالي بحوالي نقطتين مئويتين شهرياً, أي أن الإغلاق الاقتصادي في أي بلد لمدة ثلاثة شهور قد يؤدي إلى تراجع الناتج بحوالي 6 بالمائة عن المعدل الطبيعي المتوقع لو لم تكن هناك جائحة ،
وبالنسبة لمجموعة الدول الصناعية السبع G7، فقد بينت التحليلات الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية معدلات التراجع المتوقعة. حيث قدرت نسبة التراجع في الناتج المحلي الإجمالي للعام الحالي في حال اقتصر تفشي الفيروس على موجة واحدة بالنسبة لكندا بحوالي – 8%، وبحوالي – 9.4% في حال السيناريو الثاني (أي بوجود موجة ثانية كبيرة لتفشي الفيروس)، والجدول التالي يبين التقديرات المتعلقة بحجم التراجع بالنسبة لكافة دول مجموعة السبع G7:
اسم الدولة التراجع في الناتج GDP في حال موجة واحدة من الوباء التراجع في الناتج GDP في حال موجتين

فرنسا – 11.4% – 14.1%
إيطاليا – 11.3% – 14.0%
المملكة المتحدة – 11.5% – 14.0%
كندا – 8 % – 9.4%
ألمانيا – 6.6 % – 8.8%
الولايات المتحدة – 7.3% – 8.5%
اليابان – 6% – 7.3%

وبالطبع هناك توقعات بالنسبة لدول عديدة أخرى حول العالم، ويمكن قياس مدى تأثر كل منها حسب حجم اقتصادها وسرعة استجابتها للجائحة، فضلاً عن العوامل المؤثرة الأخرى. وفي النهاية، يمكن القول بأن الخروج الآمن من الأزمة (بأقل الخسائر) يعتمد إلى حد بعيد على مدى النجاح في توظيف الآليات التي تضمن التوازن بين نظام صحي يتمتع بدينامية عالية وإجراءات استباقية لمواجهة موجة ثانية من الوباء، ونظام اقتصادي مرن قادر على تخفيف إجراءات الإغلاق الاقتصادي في الوقت المناسب لتقصير المسافة بين الموجتين. ولا تخفى هنا أهمية التعاون الدولي من أجل تحقيق ذلك.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock